التشكيلية نجية محاجي في معرضها مع كلود لومان (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
تبرز في أعمال الفنانة التشكيلية المغربية الفرنسية نجية محاجي وحدة فنية عميقة بين الشرق والغرب، تتجلى بقوة في معرضها الحالي بفضاء "كلود لومان" في باريس، حيث يمكن تأمّل مجموعة مثيرة من أعمالها الحديثة التي تتراوح بين لوحات زيتية ورسوم على ورق.
 
ولفهم هذه الأعمال ومسعى محاجي الفني ككل، لا بد من العودة إلى منتصف السبعينات، حين احتكت الفنانة وتأثرت بفنانين كبار نشطوا في الميدان التشكيلي أو المسرحي، مثل سيمون هانتاي وجوديت ريغل وجان دوغوتكس وفناني مجموعة "ركائز/مسطّحات" الذين ساءلوا فن الرسم انطلاقا من مكوناته الأساسية (هيكل اللوحة وقماشها وسطحها...).

كما تأثرت بالفنان بيتر بروك و"مسرحه الحي" المفتوح على الثقافات غير الأوروبية، وجيرزي غروتوفسكي الذي أسّس لمسرح مستوحى من الطقوس الإثنولوجية والمسرح التقليدي للحضارات الشرقية.

من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية نجية محاجي (الجزيرة)

رهان الفن
ومن جميع هؤلاء الفنانين، استخلصت محاجي أمثولة رئيسية، وهي أن رهان الفن ليس في ابتكار شكل فني جديد بقدر ما هو في الإختبار واستكشاف الذات وتحوّل الفنان والمتأمّل في أعماله معا، وبالتالي في توسيع حقل إدراكنا المحسوس كي نتمكن من بلوغ مستوى عال من الوعي.

وفي هذا السياق يمكن أيضا إدراج اهتمامها بحركية مسرح "نو" الياباني والرقص الصوفي الدائري للدراويش، ولكن أيضا بمساعٍ فنية مختلفة تجمع بين المفهوم والإدراك الحسّي، بين المادي والجوهري، أو تتوق إلى ابتكار أعمال مشعّة تخلق إحساسا بالامتلاء وتحتفي بعرس الجسد والروح، كعمل روبرت ريمان وريشارد سيرّا والمينيماليين الأميركيين وإيف كلاين ولي أوفان وبيل فيولا وأنيش شابور.

تقول محاجي "للإمساك بالفيض لا بد من التوجّه نحو الجوهري". ومن هذا المنطلق يتخذ عملها اليومي في محترفها طابع الممارسة الزهدية، فتستخدم أدوات بدائية ذات جانب حسّي، كأقلام الفحم العريضة والريشة الكورية والحبر والمضرب وقماش الكتان الأمغر، ولونَي الأسود والأبيض لحدّة تضاربهما، أو ألوانا شمسية نيّرة، كالأحمر والأصفر والبرتقالي.

وفي رسمها، تميل محاجي إلى الأشكال المثالية المركزة كالدائرة والمربع، كما تستسلم لحرية يدها الحاذقة التي تخط شبكة حيوية من الخطوط والضربات تنتشر كبنيات فيض تتميّز ببعدين أو بأبعاد ثلاثة، مما يسمح لعمق اللوحة بالظهور على سطحها.

وتأتي النتيجة أعمالا توحي لنا بالحركة والجمود في آن واحد، بحقيقة محسوسة وبمقدّس مستشعر وغير ملموس. ولا عجب في ذلك، فالفن بالنسبة إلى محاجي هو وسيلة تأمل وسمو، وليس فقط رهانا جماليا أو رمزيا.

الفنانة نجية محاجي أمام لوحة زهرة الرمان بالمعرض (الجزيرة)

انتصار المعنى
أكثر من ذلك، تعتبر محاجي أن كل فنان قادر على تسجيل رد فعل على عنف التاريخ والأحداث الراهنة. فعلى أثر التدمير الذي لحق بمدينة سراييفو -رمز التعايُش بين المسلمين والمسيحيين- والتطهير العرقي الذي تعرّض له أبناؤها، أنجزت خلال عامَي ١٩٩٣ و١٩٩٤ سلسلة "قُبب" التي يتجلى فيها اهتمامها بالأشكال الهندسية الحاضرة في ثقافات عديدة والقادرة بالتالي على مصالحة هذه الثقافات.

وبهدف تعزيم مآسي الحروب في الشرق الأوسط، ابتكرت عام ٢٠٠٥ أعمالا رقمية أدخلت فيها تفاصيل مكبَرة من محفورات الفنان الأسباني غويا (خصوصا تلك التي أنجزها تحت عنوان "كوارث الحرب") على رسوم لزهور مشعّة. وبواسطة عملية الدمج هذه، تمكنت من إخراج ذلك التوتر بين نزعتي الحياة والموت اللتين تتحكمان بسلوك البشر.

ولأن محاجي تعرف أنه لا يمكن للفن أن يقاوم العنف والبربرية بأسلحة متكافئة، ترفض اختزال العمل الفني بالرسالة التي يحملها، مهما كانت هذه الأخيرة صحيحة وإنذارية. فبالنسبة لها، أبعد من إضافة ضجيج على الضجيج، أو من إنتاج أعمال مسلّية أو استعراضية، يكمن دور الفنان في مقاومته إحباطنا وفقداننا إنسانيتنا عبر خلقه أعمالا ينتصر فيها المعنى على السديم.

بعبارة أخرى، لا بد من تعزيم الشر والقوى المدمّرة من خلال الاقتران بفيض الطاقة المنعشة التي تولد أعمالا يتجلى فيها جمال اللامرئي الباهر. ولأن محاجي هي امرأة أيضا، لا تتردّد في المجاهرة بأنوثتها في بعض أعمالها عبر تركيزها على موضوع الزهرة النسائي بامتياز.

باختصار، تخلق محاجي أيقونات معاصرة يتوحّد فيها الرسم والتلوين، الشكل والمضمون، البنية والفيض، ذاتية الكائن الحسّية وهندسة الكون الأساسية، ضمن تعانُق مثير ومثمر لجماليات الشرق والغرب معا.

المصدر : الجزيرة