توفيق عابد-عمّان

في ندوة نظمها البيت الثقافي العراقي مساء الاثنين برابطة الكتاب الأردنيين، قال خبير عراقي في العمارة إن بغداد فقدت من ميراثها الحضاري والمعماري أكثر من أي مدينة في التاريخ نتيجة الغزوات المتلاحقة والجهل بأهمية التراث للأجيال المقبلة.

ووصف أستاذ العمارة بجامعة فيلادلفيا شمال العاصمة الأردنية عمان الدكتور إحسان فتحي في مداخلة بعنوان "بغداد وتدمير تراثها الثقافي" تدمير التراث المعماري بأنه انتحار ثقافي وخسارة لا تعوض.

وقال إن الموروث الحضاري والمعماري مهدد بالزوال، وإن العديد من المواقع التاريخية ذهب ضحية توسيع الشوارع أو التمدد العمراني أو جشع ورثتها.

وتحدث الخبير العراقي عن مشروع وصفه بالجبار لهدم حول مرقد الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) في النجف بهدف توسيعه وآخر في كربلاء وسامراء، معتبرا ما يجري نهجا غير صحيح وغير مناسب يقود في النهاية إلى المساس بمكانة المدن التاريخية.

 إحسان فتحي: الموروث الحضاري والمعماري مهدد بالزوال (الجزيرة)
مأساة تاريخية
وتابع فتحي أن هناك "مأساة" تاريخية في الرصافة ونهر دجلة الذي فقد قيمته الحقيقية ولم يعد يستعمل إلا نادرا، بعد أن كان الشريان الرئيس لمدينة بغداد اقتصاديا لنقل البضائع والأشخاص.

وطالب بإعادة بناء الرموز الأساسية لبغداد والحفاظ على موروث الأجداد الذي وصفه بأنه ذاكرة المكان، لافتا النظر إلى خطورة غزو المستثمرين للمواقع التاريخية والأثرية بإغراء أصحابها لبيعها، إذ يصل سعر المتر المربع ما بين خمسة وعشرة آلاف دولار أميركي، وتساءل لماذا لا تستملك الدولة هذه المواقع والمحافظة عليها؟

واستعرض الدكتور فتحي عددا من المواقع التي هدمت مثل باب الشرقي والمعظم والمدرسة المأمونية لتوسيع وزارة الدفاع ومستشفيي نامق باشا والغرباء وترامواي الكرخ الأعظمية، وجامع معروف الكرخي وقصر الزهور الذي دمره الأميركيون دون أي احتجاج رسمي.

وحمل أمانة بغداد مسؤولية طمس معالم الكثير من الأماكن التاريخية كسوق الصفارين والعديد من الخانات والحمامات التي اختفت، وقال إنه خلال السنوات العشر المقبلة لن تجد أي بيت بغدادي.

وقال "لست متفائلا بمستقبل أغلبية الأماكن التاريخية" متحدثا عن غياب أي منهجية لتسجيل هذه المواقع كقيمة تاريخية، مشيرا إلى أن ثمانية آلاف مبنى تراثي تفتقد الحماية والرقابة حيث يستطيع صاحب أي بيت حرقه وبيعه.

جانب من حضور ندوة بغداد وتدمير تراثها (الجزيرة)

تقسيم طائفي
ورأى فتحي أن بيوت البغدادين في الثلاثينات التي تتميز بها العاصمة عن المدن العربية الأخرى تتحول إلى شقق سكنية لا تتجاوز مساحة الواحدة منها ثلاثين مترا ضمن ما وصفه بـ "محو ممنهج للذاكرة العراقية" وقال إن تمثالا لهارون الرشيد وهو الصورة الوحيدة معروض للبيع في الإمارات بمليوني دولار.

 ووفق الدكتور فتحي فإن بغداد مقسمة طائفيا بعد الاحتلال الأميركي "كانتونات بشرية" والمناطق المختلطة تتقلص بسرعة، ولم تسلم أية منطقة من أعمال العنف سواء كانت "تفجيرات طائفية أو غير طائفية".

وتساءل: لماذا قامت أمانة بغداد برفع تمثال أبو جعفر المنصور؟ وقال إن المعلومات المتوفرة لديه تبين أن السبب سياسي، فأبو جعفر المنصور متهم بقتل الإمام الكاظم، وليس لصيانته التي تتم بالموقع وفق العادة.

وعقب الندوة قال الدكتور إحسان فتحي إن الطائرات الأميركية دمرت قصر الزهور رغم أهميته التاريخية، وتم حرق المكتبة الوطنية وسرقة المتحف العراقي والمتاحف الأخرى عقب الاحتلال مباشرة.

إحسان فتحي: نسبة المسترجعات من الآثار العراقية لا تتجاوز 5% (الجزيرة)

مساع متعثرة
وأبلغ فتحي الجزيرة نت بأن الاتصالات التي تجريها الحكومة مع الدول والمتاحف التي تعرض آثارا عراقية متعثرة وأنه لا توجد متابعة حقيقية لاسترجاع المسروقات، مشيرا إلى أن نسبة المسترجعات لا تتجاوز 5% من بين ثلاثين ألف قطعة فقدت من المتحف العراقي.

وأشار إلى أن سرقة الآثار لا تزال جارية دون أية سيطرة من السلطات المختصة، موضحا أن هناك عصابات متخصصة في سرقة الآثار عن طريق نبشها بشكل غير علمي وتسويقها عبر دول الجوار وخاصة تركيا لسويسرا ودول أخرى.

وقال إن مؤسسات إسرائيلية استطاعت شراء عدد من الآثار اليهودية العراقية عبر المعارض والشركات المتخصصة، وقد وصل قسم منها إلى تل أبيب، مشيرا إلى وجود مسروقات في جميع الدول الأوروبية كإسبانيا التي رفضت إعادتها.

ولفت الدكتور عباس كريم الذي يعد كتابا بعنوان "الخلفية التوراتية لتدمير العراق" إلى أن الولايات المتحدة رفضت إعادة أهم وثيقة تاريخية تتعلق باليهود عثر عليها في دائرة المخابرات العراقية عقب الاحتلال 2003، وقال إن السلطات الأميركية أخذتها بحجة ترميمها لكنها لم تعدها رغم مطالبة وزارة الثقافة العراقية.

وكشف النقاب عن أن الجهات الأميركية تحاول عقد صفقة تعيد بموجبها نصف كمية الآثار الموجودة لديها، لكن الحكومة العراقية رفضت العرض.

خلفية توراتية
وذكر الدكتور كريم أن " الدمار مؤطر، واستنزاف الآثار العراقية لا يزال مستمرا بدءا بعام 1848 حيث تزدان المتاحف الأوروبية بقطعنا الأثرية بفضل قناصل بريطانيا وفرنسا في بغداد والموصل والبصرة".

وقال للجزيرة نت إن عملية تدمير وسرقة التراث العراقي ذات خلفية توراتية وموقف عدائي تاريخي تعج به التوراة والتلمود في إشارة لسبي اليهود على يد القائد نبوخذ نصر.

المصدر : الجزيرة