الكاتب الراحل محمود سالم ألف عشرات الكتب للأطفال والناشئة (الجزيرة)
 
بقدر ما أثار رحيل الكاتب محمود سالم مؤخرا الحزن وشجن الذكريات لأجيال وأجيال عرفت أيام الطفولة والصبا متعة كتاباته وبهجة اللحظة مع كتبه، فإن غياب رائد في فن الكتابة للطفل يومئ ويصرّح بتحديات اللحظة الراهنة فى عالم الإبداع للطفل العربي.

مؤلف الألغاز والشخصيات الشهيرة فى مجموعة "المغامرين الخمسة" "والشياطين الثلاثة عشر" التى كانت جزءا من المخيال العربي لأجيال متلاحقة واللحظات الحميمة للأطفال والناشئة من المحيط إلى الخليج، شكل بقصصه جزءا عزيزا من ذكريات الطفولة والمراهقة لأجيال عديدة.

ولم يكن سالم الذى قضى عن عمر ناهز الـ84 عاما مجرد كاتب أو مؤلف موهوب لقصص الأطفال المشوقة، وإنما كان مثقفا كبيرا وقارئا نهما وصاحب تجربة ثرية في الحياة وصداقات وثيقة مع مثقفين ومبدعين عرب من أصحاب القامات العالية، مثل الطيب صالح ورجاء النقاش وغيرهما.

وفى مجلة "سمير" التى تصدر عن دار "الهلال" توهجت موهبة محمود سالم في عالم الكتابة للأطفال، واستمر فى الكتابة ذات البناء الدرامى الأخاذ للطفل العربي حتى الأشهر الأخيرة من  حياته، بينما أعيد طبع ألغازه 17 مرة، وكانت مبيعاته من الألغاز تصل إلى الملايين ليكون من أكثر الكتاب العرب انتشارا، وتحتل كتبه مكانة راسخة ضمن قوائم الكتب الأكثر مبيعا.

تجمع كتابات الراحل بين الموهبة والحسّ الطفولي الذي منحه القدرة على التوغل في عالم الطفل بعفوية ودون تكلف، إضافة إلى دقة المعلومة والقدرات الثقافية والأدبية واللغوية الرفيعة

بساطة وعمق
ولأن محمود سالم كان من المنتمين للفكر القومى فقد جاءت مجموعته "الشياطين الثلاثة عشر"متأثرة بالحلم العربي وقومية الطرح السياسى، حيث قامت فكرتها على مجموعة من الشباب العربي من ثلاث عشرة دولة يتّحدون معا لحل الألغاز ومواجهة أعداء الأمة.

وببساطة وعمق وتشويق، كانت ألغاز محمود سالم تعلم الأطفال والناشئة فى العالم العربي فن البحث بشكل علمي عن الحقيقة والوصول للأسرار التي يحجبها الواقع بضبابيته، بينما بات هذا الكاتب المبدع أحد الرواد المؤسسين لأدب المغامرات والروايات البوليسية فى مصر والعالم العربي قاطبة.

وتجمع كتابات الراحل بين الموهبة والحسّ الطفولي الذي منحه القدرة على التوغل في عالم الطفل بعفوية ودون تكلف، إضافة إلى دقة المعلومة والقدرات الثقافية والأدبية واللغوية رفيعة المستوى، مما جعل كتاباته تتمتع بقوة الجذب، فيجد الطفل نفسه ينساب وراءها ويتشبث بها، مما يعمق لديه الارتباط بالكتاب والإقبال على المطالعة.

ويصف الكاتب حسين شبكشي الراحل بأنه كان الأكثر تميزا في مجال الكتابة للأطفال على مستوى العالم العربي، موضحا أن "مجموعته "الشياطين الثلاثة عشر" كانت موجهة للمراهقين، ومن ثم جاءت لغتها "متطورة أكثر وأغزر، ومتأثرة بأفلام العميل السري جيمس بوند وأمثالها".

فسحر الأسلوب وجماله وسلاسته وبساطته له تأثير بالغ القوة فى غرس عادة القراءة فى نفوس الأطفال ويخلق ذكريات محببة، كما فعل بالنسبة للكاتب حسين شبكشي وهو يستعيد ذكريات "مجموعة المغامرين الخمسة" التى كانت تصدر كل شهر، معتبرا أنها "نموذج مبسط للكتب الأكثر مبيعا" واستمر دورانها من جيل إلى جيل لتباع على أرفف المكتبات وعلى قارعة الطريق.

والكاتب الراحل كان قارئا نهما للأدب الروسي وعاشقا لروايات تولوستوي وتشيكوف، ومغرما
فى الوقت ذاته بروايات الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، بالاضافة إلى عشقه للقصص القصيرة التي أبدع فيها الدكتور يوسف إدريس.

مع وجود بعض التجارب في مجال الكتابة للطفل في الوطن العربي، هنا وهناك، فإنها لم ترق إلى مستوى التجربة الرائدة والعميقة التي جسدها الراحل في أعماله

الكتابة للطفل
وإذا كانت أجيال متلاحقة من العرب قد عرفت وتذوقت معنى ومتعة السباحة بالخيال بين دفتى كتاب جميل مثير للفضول ويفتح آفاق التأمل كما كان الحال مع قصص محمود سالم، فإن عصر الصورة والإنترنت حرم الأجيال الجديدة من هذه المتعة، وقد كانت النصيحة الأخيرة التى أسداها الراحل للأطفال في عيد الطفولة "القراءة ثم القراءة ثم القراءة".

ومع وجود بعض التجارب في مجال الكتابة للطفل في الوطن العربي، فإنها لم ترق إلى مستوى التجربة الرائدة والعميقة التي جسدها الراحل في أعماله، والتي تبقى الأبرز والأكثر حضورا في هذا المجال.

وفي حين تخصص المواقع الإلكترونية لصحف عالمية مرموقة مثل "ذى غارديان" حيزا كبيرا وثابتا لكتب الأطفال والإصدارات الجديدة فى هذا المجال، لا نجد مواقع عربية تهتم بأدب الطفل، ولا يتجه الكتاب العرب لمثل هذا النمط من الكتابة لصعوبته وخصوصيته التي تتطلب مهارات مختلفة.

ولعل رحيل الكاتب المبدع قد يفتح ملف الكتابة للأطفال فى سياق اللحظة الراهنة بتحدياتها والإجابة عن تساؤلات مثل التي أثارها محمود سالم نفسه بشأن سطوة وسائل الاتصال الحديثة و"جبروت الصورة" وتراجع تأثير الكتاب أمام هذه الوسائط الجديدة في عصر لم يعد للكتاب الورقي مكان فيه.

أبطال محمود سالم الصغار الكبار فى "المعادى" لن يغادروا الذاكرة العربية، وهم يبحثون عن الحقيقة ويحلون الألغاز فى "الكوخ المحترق" و"البيت الخفي" و"جاسوس السويس" و"الرسائل الغامضة و"عين السمكة" و"الفهود السبعة" وغيرها كثير، في لحظة كانت تختلف كثيرا عن اللحظة الإلكترونية الراهنة بتحدياتها الضاغطة.

المصدر : وكالة الشرق الأوسط