الفنانة غادسدن تتنفس من خلال فنها (الجزيرة)

أحمد الشريقي-الدوحة

تتفقد الفنانة البريطانية راشيل غادسدن بطاريات جهازها المغروز في جسدها خشية أن ينفد شحنها، وتتوقف رئتاها عن التنفس، وسيكف الجهاز عن ضخ الأكسجين اللازم لإدامة حياتها. وتفعل هذا وهي تلتصق بلوحتها وألوانها، فعيناها أيضا لا تسمحان لها بالرؤية أبعد من ذلك.

بيد أنه لا الجهاز الذي يحل ضيفا غريبا مقيما في جسدها ولا بصرها الضعيف يمكن أن يحول دون ممارستها الإبداع كفنانة تشكيلية وأن ترصد "العالم الذي يتنفس جيدا" وذلك في معرضها المقام بالدوحة، حيث تشارك مبدعين آخرين من ذوي الاحتياجات الخاصة في تظاهرة إبداعية تقام لهم وحدهم.

وكانت التظاهرة قد انطلقت أمس وتستمر أسبوعين، ويعرض فيها راقص ومخرج سينمائي إبداعاتهم التي لم تمنع الإعاقة تفجرها معطية أعمالا لا تقل تألقا عن نتاج كاملي الصحة والعافية.

رغم الإعاقة
وفي معرضها الذي يضم زهاء 45 لوحة تنهج غادسدن أسلوبا تعبيريا تعرض فيه مكنونات فنانة تضج بالحيوية وتُسائل عالما يتنفس بحرية فيما هي تعاني حشرجة تضغط على رئتين متعبتين.

وتتوزع في قاعة المعرض لوحات تستعير بعضها من أجواء الخليج العربي وبيئته التي عاشت فيها حوالى عشرين عاما، بينما تنتقل في أخرى لاستظهار صراع داخلي لمكنوناتها التي تشكل المرأة فيها عنوان بارزا لإبداعها وألوانها الصارخة والزاهية، إذ يكون موضوعها الأمل والمجد.

برو راقص على الكرسي (الجزيرة)

وتتكئ الفنانة الحائزة على عديد من الجوائز العالمية على مخيلتها، كأنها تستعيض بها عن حدة الرؤية وقوتها، فالعمل الفني لديها "يبدأ بالتفكير لا بالرسم وقلما يهم ما نرى ولعل الأهم ما نشعر به" مجسدة مقولاتها النظرية في أعمال تحارب الهشاشة الإنسانية والخوف. 

غير بعيد عن غادسدن موقفا وحضورا إبداعيا تضج يدا مصمم الرقصات مارك برو بالحركة وهو يوجه راقصيه من على كرسيه المتحرك كما يظهره فيلم عرض في التظاهرة بإحدى البروفات لاستعراض موسيقي وغنائي بصحبة إيفلين جليني إحدى أبرز الموسيقيين الانتقائيين والمبتكرين للرقص الإيقاعي.

رقص على الكرسي
وبرو البالغ من العمر 35 عاما، والذي تعرض لحادث أفقده ساقيه، فيرى أن الإعاقة حولته فقط من راقص على ساقيه إلى راقص على الكرسي!

ويضيف الفنان الأسترالي في حوار نظم أمس بالحي الثقافي "كتارا" أن الإعاقة حفزته للتركيز على فنه الذي هو في عقله أساسا، وهو سعيد أيضا مادام متمتعا بسمعه وبصره اللذين يحتاجهما الأداء الموسيقي الراقص.

ويسعى برو الذي تتسم رقصاته بالليونة والدقة وجمالية اللقطات إلى تشجيع الراقصين من ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم على تخطي حدود إعاقتهم في تقديم لغة جسد تحتفي بالإبداع وتعليه.

وكانت الأعمال الثقافية والفنية قد لفتت الانتباه لها بقوة بعد الألعاب الأولمبية في لندن عام 2012 لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي قدم على هامشها تظاهرة فنية لذوي الفئة نفسها.

سيمون جمع بين الرسم والتصوير (الجزيرة)

ومن بين تلك الأعمال فيلمه "ماكرو بوليس" للفنان البلجيكي ومبدع الرسوم المتحركة جويل سيمون، ويعرض بالحي الثقافي غدا الجمعة. وكان الفنان قد فقد إحدى ساقيه بحادث إطلاق نار.

ويدور فيلم "ماكرو بوليس" حول قطة وكلبة، تعانيان الإعاقة، الأولى بإحدى عينيها والأخرى بساقها، وتمضي الأحداث وتعطي القطة للكلبة خشبة تصبح ساقا بديلة، أما الكلبة فتمنحها قطعة مطاطية تغطي القطة بها عينها غير المبصرة.

وجاء فيلم سيمون بعد مخاضات كثيرة وعناء، فقد بدأ حياته شغوفا بالرسم والتصوير ثم اهتدى للجمع بين الفنين، فكان فن الرسوم المتحركة الذي نقله إلى مصاف المبدعين بهذا المجال.

وتعود أصول سيمون الى مدينة بلجيكية جمع فيها لغتي الفرنسية والألمانية، كما رسم في صغره عددا كبيرا من الرسوم متأثرا بعدد من الفنانين البلجيكيين اللامعين، ثم درس الفنون الجميلة بمدينة "ليغ" والتصميم بمدينة مانشستر الإنجليزية.

وعرض فيلم سيمون بأكثر من مائة احتفال ومهرجان، وحاز على خمس عشرة جائزة.

المصدر : الجزيرة