عبد الرحيم محمود استشرف استشهاده منذ البداية (الجزيرة)

وديع عواودة-حيفا

تواصل فعاليات ثقافية فلسطينية إحياء الذكرى المئوية لميلاد الشاعر "الشهيد" الذي أسس لشعر المقاومة، عبد الرحيم محمود. فبعد الاحتفالية الكبيرة التي نظمتها مؤسسة الأسوار في عكا تستعد مؤسسة توفيق زياد للثقافة والإبداع في الناصرة لإقامة احتفالية كبيرة الأسبوع القادم تكريما للشاعر "الشهيد".

ولد عبد الرحيم محمود في قرية عنبتا  قضاء طولكرم عام 1913 ودرس في مدرسة النجاح الثانوية في نابلس ثم سافر لبغداد ودرس في كليتها العسكرية ليعود لمدرسة النجاح مدرسا للغة العربية. وفور نشوب الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936عمل كاتبا وسكرتيرا لدى القائد العام للثورة عبد الرحيم الحاج محمد، قبل أن ينتقل للجهاد ضد الصهيونية والاستعمار بعد صدور قرار التقسيم عام 1947، إذ التحق بالعمل العسكري غداة تشكيل جيش الإنقاذ بداية 1948 وشارك كمقاتل في عدة معارك ليكون استشهاده في قرية السجرة جنوب غرب مدينة طبرية في العاشر من يوليو/تموز 1948 تاركا وراءه زوجة وثلاثة أطفال، أحدهم هو أمين عام الرئاسة الفلسطينية الطيب عبد الرحيم.

ويوضح المؤرخ المختص بالتاريخ الفلسطيني بروفسور مصطفى كبها للجزيرة نت أن محمود كوّن وعيه القومي في مدرسة النجاح، إذ تأثر بمعلميه أمثال عزت دروزة وفريد زين الدين ومثقفين قوميين لبنانيين وسورين عملوا وقتها أساتذة فيها.

قريحة لاذعة
وكان الشاعر قد استشرف ضياع الأقصى حينما قال في قصيدة  "الأقصى"  التي نظمها بمناسبة زيارة الأمير سعود آل سعود لفلسطين، إذ عرّج الأمير على قرية عنبتا مسقط رأس محمود عام 1934 حيث لقي استقبالا شعبيا، ويقول محمود في مطلعها

المسجد الأقصى أتيت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودع

وينوه  كبها إلى أن محمود اكتسب ثقافته العسكرية من خلال دراسته في الكلية العسكرية في بغداد مع زملاء فلسطينيين أمثال حسن سلامة وعبد القادر الحسيني وذو الكفل عبد اللطيف، وهناك ساند ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941.

ورغم قصر عمره ترك محمود ديوانا شعريا كبيرا عبر في قصائده عن حبه للوطن ورؤيته ومشاعره الوطنية الملتهبة، وفي قصيدة " الشهيد" توقع  الشاعر استشهاده حينما كان بالرابعة والعشرين من عمره إذ قال:

سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا

ويقول الناقد الأدبي البروفسور محمود غنايم إن عبد الرحيم محمود إلى جانب شعراء آخرين كإبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) قد مثلوا النموذج العملي للصراع بين التقليدية والرومانسية. ومع أن الجانب التقليدي في شعر محمود هو الغالب، فإن الرومانسية واضحة أيضا وبشكل خاص في الشعر الذي نظمه بسنواته الأخيرة.

غنايم: عبدالرحيم محمود شاعر جمع بين
الرومانسية والثورية (الجزيرة)

ثورة صاخبة
ويرى غنايم أن هذا ما يمكن تسميته بالاتجاه الشاكي، لافتا إلى أن الثورة الصاخبة تتحول لديه إلى أنين وشكوى ينفّس عنهما من خلال الدعوة إلى الخلاص ورفض المجتمع الذي يُعلي من شأن الظالمين ويحترم الموازين غير العادلة. فالاتجاه الرومانسي الشاكي يتلاءم مع الثورة على التقليد والتمرد على الشعر التقليدي.

ويشير إلى احتواء هذا النوع من القصائد -الاتجاه الشاكي- على القليل من الألفاظ والتعابير الكلاسيكية وخفوت الضجة اللفظية، كما تكون الأوزان المستعملة من البحور القصيرة على الأغلب، ومن هذه القصائد "في حالة غضب" و"جفت على شفتي الأماني". فرومانسية محمود استمدت من بعده عن أرض الوطن مما يرجح تأثره بالمدرسة الرومانسية أثناء وجوده في العراق، وتظهر في معجمه الشعري الرومانسي وإن لم تفارقه اللغة التقليدية تمامًا.

ويخلص غنايم للقول إن هذه الأسباب السياسية والاجتماعية والأدبية يمكنها تفسير استجابة الشكل للمضمون في شعر عبد الرحيم محمود ليبدو لنا شاعرا يبحث عن هويته الأدبية والسياسية والاجتماعية بينما هو يبحث عن الكلمة، ليجد في الاتجاه الرومانسي بلغته ومضمونه ما يخدم غرضه الثوري الذي شكا من خلاله انعدام القيم وتمزق المفاهيم وتناقض الحياة، فكان عبد الرحيم محمود ثائرا رومانسيا، أو رومانسيا ثائرا.

المصدر : الجزيرة