إحدى اللوحات بالمعرض التشكيلي "مديح المادة" بالرباط (الجزيرة نت)
نزار الفراوي-الرباط
 
يستعيد فضاء متحف بنك المغرب (البنك المركزي) في العاصمة المغربية قصة علاقة إبداعية حميمة وخصبة جمعت التشكيليين المغاربة بالمادة، بدءا برواد التجربة التشكيلية المغربية التي تعد واحدة من أكثر التجارب تميزا في الحقل العربي، وصولا إلى الأسماء التي تصنع راهن هذا القطاع الفني في المملكة.

وجدت مواد خام كالنحاس والجلد والتراب والشمع وغيرها الطريق إلى العرض بواسطة عملية تحويل وتوظيف إبداعية متعددة الأساليب الفنية ومتنوعة الرؤية الفلسفية والجمالية، لتفرز روائع فارقة في تاريخ التشكيل المغربي لدى أسماء رحلت بعد أن أعطت لهذا الحقل إشعاعا إقليميا ودوليا.

ومن بين هذه الأسماء الجلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي ومحمد قاسمي، إضافة إلى أسماء أخرى توطد حضورها اللافت في سوق الفن المحلية والعربية والدولية مثل فؤاد بلامين وفريد بلكاهية وماحي بينبين.

24 لوحة عن "مديح المادة" تعرض إلى غاية 15 أبريل/نيسان المقبل وتسلط الضوء على استعمال ثلة من الرسامين المغاربة عددا من المواد الأولية ومواد أخرى تتماشى مع الألوان وتعطي للوحات المعروضة أبعادا فنية خاصة. إنها مواد مطواعة لتفجير الأشكال ودفع تقنيات التحويل والمزج إلى أقصى تخوم المغامرة الفنية والجمالية.

فريد الزاهي:
المعرض يتضمن تجارب تتميز بالتعدد وتحتفي بالمادة لتحولها في هذا الاحتفاء إلى سند مولد للأشكال والألوان والمعنى

تطويع المادة
وفي كثير من الأحيان اكتست هذه المواد أهمية خاصة في بناء هوية التشكيل المغربي من خلال استناده على مواد ذات حضور رمزي وتاريخي في الوعي الجمالي الجمعي، كما هو شأن النحاس وإحالته على المهارات الإبداعية للصناعات التقليدية والتراب ودلالاته الروحية في المخيال الجماعي.

ويعتبر الناقد الفني فريد الزاهي في تقديمه للمعرض أن المادة تجاوزت الاستعمال التشكيلي كي تتحرر من التوظيف التقليدي لها وتتحول إلى صورة متعددة، تمنح للفنان وأيضا للجمهور مشهدا جديدا للإمكانيات التي يقدمها العالم للفن.

فمن خلال هجانة المواد -كما يقول الزاهي- يغتني الفن ويتابع بحثه الحثيث عن اللامعنى وعن اللامرئي والروحاني. ذلك أن الروحاني لم يعد هنا منحصرا في الشكل، في ما وراء العمل الفني وامتداداته، وإنما في نسيج المادة المعماري نفسه.

ويضيف الزاهي أنه من أجل مجاوزة الطابع الفضائي المسلم به للوحة، سارع بعض الفنانين المغاربة إلى تجريب مواد جديدة (النحاس والجلد وغيرهما)، وذلك بهدف خلق حوار خصب مع الممارسات المحلية وتلك المنتمية للمتخيل الشعبي. في حين ركز آخرون اشتغالهم على استكشاف مواد وأصباغ جديدة، قصد تطويع سطح اللوحة وإعادة صياغته ومن ثم خلق آثار شكلية ولونية جديدة.

إنها تجارب تتميز بالتعدد وتحتفي بالمادة، لتحولها في هذا الاحتفاء إلى سند مولد للأشكال والألوان والمعنى، كما يراها الناقد المغربي.

هذا المعرض دليل على استكشاف مسار التشكيل المغربي في محطات هامة من نضج الوعي الفني والفكري لمبدعيه ومساعي رموزه إلى تحقيق التميز، سواء على صعيد الذات المبدعة، أو الانتماء إلى هوية فنية جماعية، من خلال محاورة المادة واستخلاص عمقها الحسي وطاقتها الحركية.

المصدر : الجزيرة