الأديب التونسي محمد العريبي بريشة الرسام منصف الرياحي (الجزيرة نت)
 كمال الرياحي-تونس
 
نسجت "جماعة تحت السور" الأدبية التونسية تجربة فريدة في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي بوجوهها الفنية والأدبية الرائدة، وتمكنت من فرض نفسها رغم سياسة التغريب التي حاول إرساءها المستعمر الفرنسي، لتصبح واحدة من أهم المكونات الرئيسة للثقافة التونسية المتأصلة في تراثها والمجنحة بانفتاحها على ثقافة الآخر وخاصة منها الضفة المقابلة من المتوسط.
 
ولئن ظفرت بعض وجوه تلك الجماعة بالاعتراف والتكريم حتى بعد عقود، كالشابي وعلي الدوعاجي وبيرم التونسي والطاهر الحداد ومصطفى خريف وغيرهم، فإن عددا من تلك الجماعة المؤسسة ظل عالمهم ومنتجهم منسيا كالقاص والشاعر محمد العريبي الذي كان من أبرز وجوه "تحت السور".
 
غلاف كتاب "الرماد" للأديب التونسي محمد العريبي (الجزيرة نت)
حياة زاخرة
انقطع محمد العريبي (1915-1946) عن الدراسة بجامع الزيتونة دون أن يحصل على شهادة "التحصيل" بعد أن درس في مدرسة فرنسية عربية، وقد جاء انقطاعه عن الدراسة بعد التحاقه بجماعة تحت السور التي عرّفه عليها زعيمها القاص والمسرحي علي الدوعاجي.

ويرجح  بعض النقاد أنه أحد الأسباب التي دفعته إلى ترك جامع الزيتونة للبحث عن عمل بأحد المتاجر فقره ويتمه المبكر، بينما يرجح آخرون أن طبيعته البوهيمية هي التي كانت وراء انقطاعه عن التعليم، حيث كان لأجواء الفن والعوالم السرية في حومة (حي) باب سويقة بالعاصمة التونسية مع جماعة تحت السور الأثر الأكبر في اختياراته الحياتية.

لم يستمر العريبي طويلا في عمله ليقتحم عالم الصحافة مع زين العابدين السنوسي أحد زعماء جماعة تحت السور، ويعمل معه في مجلته "العالم الأدبي" وكان يمضي مقالاته باسم "ابن تومرت".

كان العريبي صحفيا بارعا وقلما مقاوما، مما دفع بالمستعمر الفرنسي لاعتقاله بأحداث 9 أبريل/نيسان 1938 وزج به بالسجن. وظلت السلطات الفرنسية تنقله من سجن إلى سجن سبعة أشهر حتى أفرج عنه، وعاد لعالم الصحافة ليترأس تحرير جريدة "الزمان" قبل أن يقتحم الصحافة الإذاعية.

ضاقت  البلاد بصاحب الشخصية الجامحة والحالمة، فاستغل علاقته بأحد الضباط الفرنسيين ليسافر إلى أفريقيا والكونغو تحديدا، ويعمل هناك بإذاعة برازافيلا، وهناك كتب العريبي قصصا تعبق بعوالم أفريقية نادرة.

وقبل أن ينزل بفرنسا مر العريبي بالمكان الرحمي الأول لأسرته بالجزائر، لكنه لم يتأقلم جيدا فغادرها بسرعة نحو باريس ليشتغل بالإذاعة هناك، وتعرف على "فالنتين" الفتاة الفرنسية التي عاش معها حياته البوهيمية كما أرادها، تلك الحياة التي أنهت حياته ليلة 25 ديسمبر/كانون الأول 1946منتحرا بالغاز ودفن بمقبرة بوبيني الإسلامية بباريس.

العريبي كان متأثرا ببودلير وبأندري جيد وهما من الشعراء والروائيين البوهيميين وقد جربا الكتابة الأوتوبيوغرافية نفسها التي يحبذها العريبي

أديب الحياة
لا يمكن أن نفصل حياة العريبي عن أدبه فقد كان يعيش ما يكتب ويكتب ما يعيش فعلا، فانتصر في أدبه للحظة ولليومي واختار أجناسا أدبية لصيقة بالحياة كالمذكرات واليوميات وجعل نصوصه تأخذ بعدا قصصيا مما يرشحه ليكون رائد التخييل الذاتي العربي، فكتب العريبي تجاربه وحياته الحميمية لكن عبقريته الأدبية جعلته يقدم ذلك اليومي كقطع أدبية راقية. وإن بحثنا عن معادل له في العالم العربي فلن نجد سوى محمد شكري وفي الأدب الغربي سوى الأميركي تشارلز بوكوفسكي.

يقول عنه الجامعي د. منير الفلاح" ما يمتاز به محمد العريبي عن غيره من جماعة تحت السور انخراطه الواعي في الهامشية واتخاذها منطلقا لبلورة رؤيته الخاصة في الأدب والحياة على حد سواء".

ويرفع الفلاح الهامشية لمستوى الخيار الإستراتيجي للعريبي، فهو لم يكتف بانخراطه حياتيا في عالم المهمشين وفضاءاته بل حتى في كتابته اختار الأنواع والأجناس الأدبية الهامشية كالرسالة واليوميات والمذكرات، وهي الأنواع اللصيقة بحياة المهمشين خلافا للأشكال السردية الكبرى "كالحكاية والرواية والأقصوصة".

هذه الجرأة في تطويع الأنواع الأدبية عاضدته جرأة في الأسلوب وفي اللغة، فكان العريبي جريئا في اختبار العامية التونسية في نصوصه ضمن السرد والحوار، مما جعل نصوصه قريبة جدا من القارئ العادي حتى في أقصى معانيها الفلسفية. ويذكر أن العريبي كان متأثرا ببودلير وأندري جيد، وهما من الشعراء والروائيين البوهيميين وقد جربا الكتابة الأوتوبيوغرافية نفسها التي يحبذها العريبي.

وباسثناء مجموعة قصصية يتيمة بعنوان "الرماد" التي جمعها وقدمها الكاتب محمد الهادي بن صالح، فإن تراث العريبي ظل مشتتا بالصحف والمجلات، وتركن مخطوطاته هنا وهناك بعضها عند عائلة كانت تقاطعه بسبب حياته البوهيمية وبعضها الآخر عند بعض الباحثين. ولم يظهر من مذكراته التي كتبها بالفرنسية إلا نصوص قليلة بمجلة الحياة الثقافية كان قد نقلها الباحث فتحي اللواتي إلى العربية.

إن حياة العريبي الغنية من طفولة مؤلمة وشباب مغامر وسنوات مقاومة وسجن وترحال نحو أفريقيا وأوروبا في فترة تاريخية حاسمة من تاريخ تونس والعالم، ونهايته التراجيدية ترشحه ليكون شخصية سينمائية جديرة بمقاربة سينمائية من شأنها أن تعطي فكرة على تحولات المجتمع التونسي والعربي والأفريقي.

المصدر : الجزيرة