غلاف الترجمة الفرنسية لرواية "حيوات متجاورة" للمغربي محمد برادة (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
في روايته "حيوات متجاورة" الصادرة مؤخرا بالفرنسية يضع الروائي المغربي محمد برّادة القارئ أمام لعبة سردية مثيرة عبر تصريحه منذ البداية بأنه ليس الكاتب المفترض لهذا النص، بل مجرد "سارد- مسرود له" وضع الأحداث التي عايشها في تصرّف راو آخر بعدما حدد له طريقة توجيه عملية السرد.

ومع أن الراوي سيلتزم بهذه الطريقة، لكنه لن يتوانى عن اللجوء إلى مخيّلته، طارحا أسئلة إشكالية بشأن عملية السرد نفسها وعلاقة الزمن بحياة شخصيات الرواية، وكيفية استعادته واسترداد محكيّاته من ذاكرة يشكك في أمانتها، قبل أن يثور في القسم الأخير من النص على الكاتب -الذي يحضر تحت اسم سميح- ويقترح سيناريو آخر للحيوات المروية.

وكما لو أن ذلك لا يكفي، يُسمعنا سميح صوته أيضا في مقدمة كل فصل من فصول الرواية، كما نستمع إلى قصص أبطال الرواية بأصواتهم أيضا، مما يعقّد عملية السرد ولكن يجعلها قادرة على كشف تعدّد الواقع وتشابُك مظاهره.

في الرواية شخصيات ثلاث تجسّد كل واحدة بوعي كامل سلسلة وضعيات تجاه مجتمعها، وبالتالي نجدها لا تأخذ بعين الاعتبار الإكراهات الاجتماعية إلا للتمكّن من إحلال حرّية أنطولوجية داخل كينونتها الخاصة

مداخل سردية
وتسمح المداخل السردية هذه لبرّادة بخط "بورتريه" دقيق لشخصيات روايته الثلاث التي تتقاطع أقدارها خلال العقدين اللذين أعقبا استقلال المغرب، ومن خلال ذلك مقاربة خصوصيات تلك المرحلة المفصلية من تاريخ بلده.

الشخصية الرئيسية الأولى هي فتاة تدعى نعيمة تنتقل مع والدتها من آزور إلى الدار البيضاء للدراسة في مدارس البعثة الفرنسية ويسمح لها جمالها وشهوانيتها الباكرة باختراق الطبقة الأرستقراطية في بلدها وبالمشاركة في سهراتها الماجنة.

وبعد سنوات من الخدمة مضيفة طيران، تنتقل نعيمة وهي على عتبة الأربعين للعمل موظّفة في بنك، لكن بسبب إفلاس هذا الأخير تؤسّس شبكة للاتجار بالمخدرات وتنشط في هذا المجال عقدا بكامله قبل تقع في قبضة الشرطة وتُرمى في السجن، حيث ستعثر -وهنا المفارقة- على تلك الحرية الداخلية التي لطالما سعت خلفها.

الشخصية الرئيسية الثانية في الرواية هي رجل مسنّ يدعى عبد الموجود الوارثي مارس السلطة على مدى خمسة عقود، فاحتل مناصب دينية وسياسية عالية قبل أن يعتزل في سن الثمانين للسعي خلف ملذات الحياة التي حُرم منها طوال سنين عمره، فيبدأ في تنظيم سهرات أطلق عليها تسمية "سهرات استعادة الحياة". شخصية مثيرة وغنية بالألوان يتعرّف عليها سميح من خلال نعيمة وتقبل بمحاورته وبالبوح له عن تفاصيل حياتها الطويلة والمليئة بالأحداث الشيّقة.

أما الشخصية الرئيسية الثالثة في الرواية فتدعى "ولد هنية" المولود لعائلة فقيرة، وعرف سميح منذ الطفولة من خلال أخته التي كانت تعمل خادمة في منزله. وبدوره يسرد لهذا الأخير قصة حياته فيتبيّن لنا أنه أوقف دراسته وهو طفل لمساعدة والدته بعد وفاة والده، وتنقّل بين مهن عدة قبل ينتهي به المطاف حارسا في حانة "الأمنية" ثم في فندق "شهرزاد" حيث تعرّف على نعيمة التي ستُعجب بشخصيته وتستسلم لجاذبيته وتؤمّنه على الأموال التي تكسبها من تجارة المخدرات.

باختصار، شخصيات ثلاث تجسّد كل واحدة بوعي كامل سلسلة وضعيات تجاه مجتمعها، وبالتالي نجدها لا تأخذ بعين الاعتبار الإكراهات الاجتماعية إلا للتمكّن من إحلال حرّية أنطولوجية داخل كينونتها الخاصة. وفي هذا السياق، يمكننا قراءة رواية برّادة كنشيد مديح لمُتَع الحياة وكاحتفاء صريح برغبات الجسد.

أبعد من الظرف التاريخي أو الاجتماعي المقارَب، تشكل الرواية أيضا استعارة لحياة الإنسان بشكل عام التي تبدأ بشيء يشبه اللعب قبل أن يروّض الزمن مسارها

بحث وجودي
وتفسّر هذه القراءة المقارنة التي أجراها أحد النقّاد بين جرأة برّادة في روايته وجرأة هنري ميلر في ثلاثيته الشهيرة، علما أن برّادة لا يتناول في نصّه موضوع الجنس كغاية بحدّ ذاتها بل كأداة لتعرية ما لا يزال يشكل أسئلة مربكة ومقلقة بالنسبة إلى الإنسان المغربي والعربي عموما، الذي يعيش حال ضياع وتمزّق بين عوالم متعدّدة وصعوبة كبيرة في التعبير عن ذاته.

وخلف هذه القراءة البديهية ثمة قراءة أخرى نقدية في الرواية لتاريخ المغرب بعد الاستقلال، وبالتالي للآمال والتطلعات التي واكبت حركة جيل حاول أن يفتح طريقا جديدا في مسار بلده، لكنه واجه معضلات الواقع الجديد، وتكسّرت أحلامه على جدار البنية التقليدية للسلطة آنذاك.

ولبلوغ مراميه، مدّ برّادة نصّه بتأملات فكرية ونقدية مثيرة تتجلى فيها ثقافته المذهلة، كما صهر داخله أجناسا أدبية عدة، كالرواية والمسرحية والبوح الحميم، فحقق بذلك عملا فريدا من نوعه يغوص على أفضل وجه في أعماق مجتمعه ويرصد بدقة تحولاته وتطلعاته والمشاكل البنيوية التي يعاني منها.

وأبعد من الظرف التاريخي أو الاجتماعي المقارَب، تشكّل الرواية أيضا استعارة لحياة الإنسان بشكل عام التي تبدأ بشيء يشبه اللعب قبل أن يروّض الزمن مسارها ويضعها أمام حقيقة الموت الذي يتربّص بها. وبالتالي، نستشفّ فيها بحثا وجوديا يسائل مصدر المتعة ومعنى حضورنا في العالم ومأساة فنائنا.

تبقى إشارة أخيرة إلى قيمة الجهد الذي وضعته ماتيلد شيفر بالتعاون مع محمد خونش لنقل الرواية إلى اللغة الفرنسية، وتمكنا بفضله من احترام أسلوب برّادة الفريد قدر المستطاع ومن ترجمة المستويين اللغويين (الشفهي والأدبي) اللذين لجأ إليهما في عملية سرده.

المصدر : الجزيرة