في الأسبوع الماضي، أعلنت صحيفة الغارديان البريطانية قائمتها لأعظم مائة رواية في التاريخ الإبداعي على الإطلاق- بحسب رؤيتها-، وتصدرت تلك القائمة رواية "دون كيشوت" الشهيرة، للإسباني ميغيل دي سرفانتس، و"روبنسون كروزو" لدانييل تريفور، و"رحلات غاليفر" لجوناثان سويفت.

كما شملت القائمة أيضا أعمالا معروفة، مثل"كلاريسا" لصامويل ريتشاردسون و"إيما" لجين أوستن و"فرانكشتين" لماري شيلي، و"الكونت دي مونت كريستو" لأليكسندر ديماس و"ديفيد كوبر فيلد" لتشارلز ديكنز، و"جين إير" لشارلوت برونتي، و"موبي ديك" لهيرمان ملفيل، و"مدام بوفاري" لغوستاف فلوبير، و"أليس في بلاد العجائب" للويس كارول، وغيرها من الأعمال الأخرى التي يتوقع وجودها دائما في مثل تلك القوائم.

يبدو لي الأمر كله لا ضرورة له، أي لا ضرورة إطلاقا لاختيار هذه الرواية أو تلك، ووصفها بالعظمة، ونسيان تلك باعتبارها غير عظيمة على الإطلاق

أيضا في بداية الألفية الجديدة، أعلن عن أفضل مائة رواية في القرن العشرين، وإن كنت لا أذكر الجهة التي أعلنت ذلك، لكني أذكر أن روايات عربية ظهرت في تلك القائمة، منها ثلاثية نجيب محفوظ المعروفة و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح. ومنذ عدة أعوام، أعلن اتحاد الكتاب العرب عن أفضل مائة رواية عربية شملت أعمالا لمحفوظ والطيب صالح وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وعبد الرحمن منيف وغيرهم، ونقرأ هنا وهناك لكتاب ونقاد مثل الجزائري ياسمينا خضرا، وسلمى الخضراء الجيوسي عن قوائمهم لأفضل عشرة كتب عربية، وهكذا.

الملاحظ في تلك القوائم -التي يعلن دائما أنها من اختيار نقاد وكتاب كبار- أن معظم الاختيارات التي تتضمنها تتوقف عند أعمال كلاسيكية أو أعمال كتبت في القرون الماضية وفي بدايات وهج الكتابة، أو أعمال معاصرة، لكنها أصبحت من المقررات الدراسية في كثير من الجامعات والمعاهد والمدارس المتوسطة، ولا تنحاز -إلا نادرا- لأعمال كتبت حديثا، أي في أواخر القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة.

فروايات مثل "جين آير" و"ذات الرداء الأبيض" و"ديفيد كوبرفيلد" كانت من ضمن مقررات التعليم الثابتة ولأجيال متعاقبة. وتوجد في قائمة الغارديان رواية "تقدم الحاج" لجون بونيان، والتي كتبت قبل نحو أربعة قرون، ولم تكن الكتابة آنذاك تملك حيلا ولا فنا مراوغا يضع رواية مثل هذه في قائمة تضم أعظم الروايات في التاريخ.

وإن كان لا بد من الإشارة لرواية مثل هذه، فليشر إليها بوصفها من الأحجار الجيدة التي ساهمت في رصف سكة الكتابة لأعمال أخرى قادمة، وأتت تلك الأعمال وأكملت رصف الطريق.

اختيار الغارديان أثار تساؤلات عديد من القراء، وأثار تساؤلي أيضا بوصفي قارئا، وإن كانت الصحيفة قد ذكرت بأن قائمتها كانت من اختيار دارسين ونقاد عظماء للأدب، فهذا أيضا لا ينفي وعورة ذلك الاختيار، وأنه اختيار ناقص أو مشوه.

وتوجد أعمال كثيرة متقدمة لكتاب مجيدين، لم يدخلوا تلك القائمة التي تروج لأعمال بعينها، في زمن تطور فيه كل شيء حتى الكتابة. وكأنها تلغي فطنة القارئ المعاصر وتعيده إلى الماضي البعيد، ليبدأ من جديد قراءة أعمال لا أنكر أنها خالدة، لكن لا يمكن قراءتها بجدية في هذا العصر، خاصة أن هناك كتابات معاصرة كثيرة، نزحت إلى التاريخ، أي إلى عصور كتابة تلك الروايات، وأتت بأعمال متخمة بحيل الكتابة المتطورة.

هناك أعمال سينمائية أيضا كتبت في هذا الزمان واستوحت من الفترات القديمة، وأخيرا في رأيي، أن معظم ما كتبه الروائيون المعاصرون مثل غابرييل ماركيز، وميغل أنخل أستورياس، وغونترغراس يفوق تلك الاختيارات عظمة.

إن كانت من عظمة حقيقية لروايات القرون الماضية، فهي كشفها عن محاولات الإنسان ليغدو مبدعا وخلاقا، وتزويدنا بتصوير حقيقي للبيئة والمجتمع وعادات الناس، وحياتهم في ذلك الزمان، بطريقة بعيدة عن التاريخ الرسمي، أي بقلم إبداعي صرف وشخصيات ربما تكون حقيقية، وربما تكون مخترعة، أما لو تحدثنا عن الفن والجماليات فلن نجد شيئا كثيرا.

ويبدو لي الأمر كله لا ضرورة له، أي لا ضرورة إطلاقا لاختيار هذه الرواية أو تلك، ووصفها بالعظمة، ونسيان تلك باعتبارها غير عظيمة على الإطلاق. الأمر يشبه آليات منح الجوائز في زمننا هذا، فكثيرا ما نجد أعمالا لا ترقى للمستوى منحت جوائز، وأعمالا غاية في الكمال من ناحية الفن والجماليات ورؤية الكاتب طردت من تلك الجوائز.

توجد أعمال كثيرة متقدمة، لكتاب مجيدين، لم يدخلوا تلك القائمة التي تروج لأعمال بعينها في زمن تطور فيه كل شيء حتى الكتابة

وقد كتبت كثيرا عن هذا الموضوع وأحلته لأسباب كثيرة، منها التذوق الراكد لمعظم محكمي الجوائز عند خبرة قراءة مستقرة، لا تريد أن تتجاوزها أبدا، ومنها المجاملات الكثيرة التي لا علاقة لها بالإبداع.

وبالرغم من أن تذوق العمل الفني والأدبي، أو عدم تذوقه حق مشروع لكل قارئ، إلا أن تدخله في الاختيارات التي ستعلن للناس أمر لا مبرر له على الإطلاق. هنا يجب أن تكون النظرة إلى الإبداع، صارمة، واحترام العمل الجيد له أولويته، مثلما لا نحب فنانا أو سياسيا معينا، لكننا نحترمه لإجادته.

أنا كقارئ، يمكنني أيضا أن أضع قائمتي الخاصة، وأجد من يشاركني فرحتي بها، ومن لا يشاركني ويقترح قائمة أخرى، يمكنني أن أختار مائة رواية عربية أو عالمية، وأقتنع بهذا الاختيار، ولكني أظل محتفظا بذلك في حدود ضيقة، سأقول بأنه اختياري الشخصي، ولن أعممه باعتباره قرارا يجب اتباعه من الجميع.

أخيرا، وهذا رأي شخصي أيضا، أتمنى أن تختفي مثل تلك القوائم التي لا تقدم للإبداع شيئا كثيرا، ولن تكون أبدا نزيهة أو حيادية، ذلك ببساطة لأنها بنيت على تذوق خاص، وإحساس بأعمال معينة، على حساب أعمال أخرى، والذي يهم في النهاية هو أن يكتب الناس، ويقرأهم القراء بلا علامات مضللة.

المصدر : الجزيرة