جانب من جلسة "الفن والأخلاق" بحضور الفنان العالمي يوسف إسلام (الجزيرة)
 
الجزيرة نت - الدوحة
 
في محاولة لوضع الفن -ومن ضمنه الغناء- ضمن إطار لرؤيته من ميزان الأخلاق عرض فنانون رؤيتهم للفن وتعاطيهم معه في سياق التزامهم الشرعي ضمن ندوة "الفن والأخلاق" بمؤتمر الفن والسياسة والأخلاق الذي نظمه المركز الدولي لدراسات التشريع الإسلامي والأخلاق بالدوحة.
 
سؤال الفن والالتزام والأخلاق لم يكن مطروحا على الفنان والفقيه والداعية الإسلامي كما هو اليوم بعد هبوب رياح الربيع العربي وتسلم تيارات إسلامية السلطة في اثنين من بلدانه (مصر وتونس). ولعل الضجة الهائلة التي كانت تثيرها ممارسات البعض من اعتداءات على بعض الرموز الفنية كانت تبعث مخاوف مهتمين خشية حصار مجتمعي جديد للفن وأهله.
 
على أن سؤال الفن ومقاربات الفن الملتزم ليس جديدا وإن كان الراهن يشي بمثل هذه الحدة، ففي أوائل الثمانينات ومع ظهور ما يسمى "الصحوة الإسلامية" ومع انتشار مفهوم أسلمة المعرفة تم استيعاب مفهوم الغناء وأدائه ضمن محددات يتخلص فيها الغناء من الموسيقى ويبقى "الدف" مرافقا لكلمات الأغاني أو الأناشيد.
 
وشهدت تلك الفترة طفرة وحضورا قويا للأناشيد الإسلامية كواحد من أساليب الدعوة ومرافقة للوعظ، وإذا كان ذلك أسلوبا وطريقة يلبي بها أشواق البعض، فإن سؤال الفن ظل مطروحا وما زال مثار جدل حول حله وحرمته.
 يوسف إسلام بعد إسلامه أصبح اكثر قناعة بأن الغناء سلاح بمكن التأثير به على الناس (الجزيرة)

الفن بوصفه إيمانا
وفي الندوة حكى الفنان العالمي (البريطاني) يوسف إسلام (كات ستيفنس سابقا) تجربته وإقلاعه عن الغناء بعد إسلامه حين أسر له أحدهم بأن الغناء حرام، وعودته بعد ذلك بعد فتاوى بجوازه شرط عفته، ولدى عودته والتي كان إحدى ثمارها ألبوم "ظل القمر" بدا إسلام أكثر قناعة بالرسالة التي يمكن للغناء أن يوصلها كما يقول.

وبدأ يوسف إسلام في التفكر في رسالة الفن حتى قبل إسلامه، حين فاجأه أناس بمدى تأثير أغنية عن الثورة الروسية على حياتهم، وبعد اعتناقه الإسلام أصبح على قناعة أكثر بأنه يملك سلاحا يمكنه من خلاله التأثير على الكثيرين، معتبرا الفن مسؤولية عظيمة. ويذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن هذا المجال (الغناء) فيه كثير من الشياطين فلماذا نتركه لهم!.

وإذا كان ثمة مفاهيم تحاول تأطير الفن وتشخيصه، فإن ما يأنس إليه فنان الثورة المصرية حمزة نمرة كما ذكر في مداخلته هو ذلك الإحساس الذي يبعثه الفن بنقل صاحبه ومستمعه إلى مرتبة إيمانية باعتبار أن الإيمان والفن يتعانقان في لحظة روحية وغيبية، فالاستمتاع بالفن انفصال عن عالم محسوس.

ويرى نمرة أن العلاقة بين الفن والأخلاق هي علاقة تحفيز، وهو بالتالي محرك للإنساني والخيّر، والعكس صحيح إذا غابت الأخلاق، لأنه سيحل الشر الذي سيقود الفن إلى غير وجهة أخلاقية وإنسانية. وفي النهاية فإن الفن هو تجاوز "لماديات الأرض".

سلوى الشودري: الفن يمثل أخطر سلاح في العصر الحالي وعلى ذلك "يجب تكثيف جهودنا من أجل خلق فن بديل يقنع شبابنا

فن والتزام
أما الفنانة وأستاذة الموسيقى سلوى الشودري فقد رأت، وقد استأنست بمقولات كثيرة تراثية وعالمية عن الفن أن لا تدفن موهبة حباها الله إياها، فاتجهت بداية الأمر إلى الأطفال وقدمت ألبومين غنائيين باللغة الفصيحة.

وعادت بعد ذلك لتغني من كلمات شعراء مغاربة أغاني تحث على الأخلاق والقيم الطيبة، ولأن الفن رسالة -بحسبها- فقد غنت لأطفال الشوارع ومعاناة المرأة وتداعيات الحروب قبل أن توسع دائرة الغناء فتقارب قصيدة بدر شاكر السياب (غريب الخليج) موسيقى وغناء.

وترى الشودري أن الفن يمثل أخطر سلاح في العصر الحالي، وعلى ذلك "يجب تكثيف جهودنا من أجل خلق فن بديل يقنع شبابنا".

تأخرت الشودري في انطلاقتها الغنائية بسبب مقولة أن في صوت المرأة عورة، لكن قراءتها للراحل محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي، وقبلهما ابن حزم، بجواز الغناء طمأن قلبها، وإن كانت تعلم مسبقا أنه من المستحيل "أن يكون ديننا الإسلامي العظيم يحرم الجمال في أحد تجلياته وهو توظيف الصوت الحسن في الغناء الأخلاقي الملتزم".

بعيدا عن الغناء وقريبا من الفن التشكيلي، عرض د. أحمد مصطفى لمفاهيم الفن وارتباطه بمعجزات الله في الكون، مستندا إلى آيات وظفها ضمن رسوم تشكيلية، مشيرا إلى أن الفن بمكوناته المختلفة من المسارات التي يقطعها الإنسان في اليحث عن مكامن الجمال الذي ملأ به الله الكون.

وكان في الندوة مداخلات ونقاشات أشار المتدخلون خلالها إلى أن الضوابط الأخلاقية والقيمية لا بد وأن تكون المؤثر الفاعل في العملية الإبداعية، على أن لا يتحول العمل الفني من منظور القراءة الدينية إلى مجرد حالة أخرى من الوعظ.

المصدر : الجزيرة