كنت قد تلقيت في العام الماضي اتصالات عديدة، من صحفيين وأيضا من الأصدقاء المهتمين بالشأن الكتابي، تسألني عن رأيي صراحة في جائزة الطيب صالح الدولية أو العالمية كما يطلق عليها في السودان، والتي أطلقتها شركة للاتصالات مباشرة بعد رحيل الطيب صالح.

خصص للجائزة احتفال سنوي في ذكراه، ورصدت جوائز جيدة في فروع الإبداع المختلفة، مثل القصة والرواية والنقد والترجمة، واختتمت احتفاليتها الرابعة منذ أيام في الخرطوم، بحضور عربي كبير، وتتويج للفائزين بها هذا العام.

كانت تلك الأسئلة في معظمها منصبة على أهمية تلك الجائزة من عدمها، وهل هي حقا جائزة نزيهة ستنحاز بكيانها إلى الإبداع فقط، أم ستسعى لاقتناص الأسماء الكبيرة في مجالات الكتابة المختلفة من أجل ترسيخ نفسها في حقل الجوائز الأدبية العربية، التي تعددت وتشعبت في السنوات الأخيرة؟

هذه الأسئلة التشكيكية في الجائزة وفي جوائز أخرى استحدثت أخيرا في الوطن العربي من أجل الإبداع تبدو في مجملها غير عادلة، وقد قلت كثيرا في أماكن عدة إن أي جائزة عربية هي في النهاية مكسب للثقافة، سواء حصل عليها مبدع كبير أو صغير، وإن أي التفاتة للمبدعين من أي جهة تدعو للاحترام.

الجائزة تكريم حقيقي لذكرى الطيب صالح، وما حصل الطيب في حياته على جائزة مادية ذات قيمة قط.. كانت جائزته هي حب الناس لإبداعه وانتشاره، وتأهله لأن يخلد في جائزة كبرى تمنح للأجيال من بعده

وقد ظلت الكتابة العربية لسنوات طويلة بعيدة عن أي احتفاء، لا جائزة ولا تكريم لمبدع في حياته، ولا اهتمام من أي جهة، بعكس الرياضة وكرة القدم بالتحديد، التي يحتفى بها في كل وقت وأي مكان، وتخصص لها ميداليات وجوائز بملايين الدولارات.

لم تكن المؤسسات العربية الداعمة لتلك الجوائز الثقافية مجبرة حين أنشأتها، وتصرف على فعالياتها سنويا. ولم تكن المؤسسة الراعية لجائزة الطيب صالح العالمية مضطرة لأن تدفع هذا المبلغ الكبير وتتعهد بدفعه سنويا، وكان بإمكانها إنفاقه في أي ضرب آخر من ضروب الدعاية، بعيدا عن حقل الثقافة الوعر.

لقد شاركت في دورتين متتاليتين في احتفالات تلك الجائزة. أدليت بشهادتي عن الكتابة، وشارك معي مبدعون عرب من أقطار مختلفة، كل حكى تاريخه ورؤيته، وكان ثمة جمهور حقيقي يستمع ويتدخل بالأسئلة، وسعدت كثيرا حين منحت بعض هذه الجوائز في فروعها المختلفة لمبدعين جدد بعضهم يطرق حقل الكتابة لأول مرة، وأيضا منح بعضها لمبدعين غير معروفين كثيرا.

ويؤكد هذا نزاهة تلك الجائزة بلا شك، وإن كنت مصرا على أن التحكيم عادة -في أي جائزة- يخضع لتذوق المحكمين أولا وموقفهم من الكتابة، وإن كانوا يحتفون بالتجريب أم يسيرون على هدي التجارب المستقرة التي لا تطرق المغامرة.

وجه آخر أبرزته تلك الجائزة، وهو وجه السودان الحضاري واحتفائه بضيوفه المثقفين على اختلاف أمزجتهم وتوجهاتهم، والذي ربما لم يكن ليعرفه مثقف لولا وجوده في فعاليات تلك الجائزة. لقد شاهدت كثيرا من هؤلاء الضيوف يبدون متأثرين بذلك الاحتفاء، وكثيرون أدلوا بشهاداتهم عن بلد رأو له وجها مختلفا عن ذلك الوجه الذي شوهه الإعلام.

وقد حكت لي ناقدة عربية أنها ترددت كثيرا في قبول الدعوة إلى الخرطوم ظنا منها بأنها مدعوة إلى بلد من الخرائب، لا بلد متحضر ومستنير وفيه من الثقافة ما يعادل ثقافات دول أخرى كان نصيبها أن تكون في المركز.

وبالرغم من أنني لم أحضر الاحتفالية الرابعة، لكني تابعتها وشاهدت كيف تطورت تلك الحفاوة، وكيف تذكرت الجائزة مبدعين كبارا لم يعد أحد يتذكرهم كثيرا، وكيف أن صديقنا الفلسطيني الكبير رشاد أبو شاور حكى عن تجربته الطويلة في الكتابة وتابعه الناس بشغف، وكانت المرة الأولى التي يزور فيها السودان.

كانت هناك أيضا شهادة السوري نبيل سليمان، أحد أعمدة الكتابة في الوطن العربي، شهادة ذات مذاق لا غنى عنه لكل المهتمين بالكتابة والواعدين على دربها، وكانت الجائزة الكبرى هذا العام لروائي جزائري شاب، لم يحصل عليها إلا عن طريق الإبداع.

لا نريد أن نخاصم مكتسباتنا حتى لا نفقدها، ولا نريد الرجوع إلى العهد القديم الذي كان فيه المبدعون في نظر المجتمع مجرد عاطلين بلا نفع. كل تقدم في مجال الثقافة محتفى به، وكل جائزة مرحب بها بشدة

هذه الجائزة -في رأيي الشخصي- تكريم حقيقي لذكرى الطيب صالح، وما حصل الطيب في حياته على جائزة مادية ذات قيمة قط.. كانت جائزته هي حب الناس لإبداعه وانتشاره وشخصيته الساحرة، وتأهله لأن يخلد في جائزة كبرى تمنح للأجيال التي قدمت بعده.

تبدو لي الجائزة أيضا حافزا جيدا للكتابة نفسها، وأنا على ثقة بأن الكثيرين قد أمدوها بالأعمال المتنافسة، وسيكون هذا دأبها كل عام كما أعتقد، تماما مثل جائزة البوكر العربية التي تواجه كل عام بانتقادات بلا حصر، ويشارك فيها حتى الذين ينتقدونها.

أمام جائزة الطيب صالح العالمية مشوار طويل من الانتقاد، مشوار طويل من التشكيك، وأتمنى أن لا يؤثر ذلك على معنويات منشئيها، فتحذف من خارطة الجوائز العربية. كما أتمنى أن تعدل بعض بنودها بحيث تخصص لأعمال منشورة، وليس مخطوطات كما تقول شروطها، ويمكن للعمل الفائز أن تعاد طباعته باسم الجائزة إن كان ذلك ضروريا.

مسألة العالمية هذه تبدو غير مقنعة تماما، والجائزة مخصصة للكتاب العرب حتى لو كانوا يعيشون في المكسيك. لنقول عالمية يجب علينا أن نفتحها لجميع كتاب العالم بجميع اللغات، وهذا أمر مستحيل بالطبع.

أقول في النهاية، إننا لم نصدق أن ثمة جوائز للكتابة موجودة الآن في وطننا العربي، سواء أنشأتها دول، أو مؤسسات خيرية، أو شركات اتصالات، أو حتى أفراد ميسورون. لا شيء يقلل من قيمة الجائزة حين تمشي في مسارها الصحيح، وتمنح للذين يستحقونها عن جدارة.

لا نريد أن نخاصم مكتسباتنا حتى لا نفقدها، ولا نريد الرجوع إلى العهد القديم الذي كان فيه المبدعون في نظر المجتمع، مجرد عاطلين بلا نفع. كل تقدّم في مجال الثقافة محتفى به، وكل جائزة مرحب بها بشدة.

المصدر : الجزيرة