غلاف رواية "شوارع العالم" للعراقي جنان جسام حلاو
في عمله الروائي السادس، يروي الكاتب العراقي جنان جاسم حلاوي بواقعية تنقل الآلام والأحزان وأجواء الغربة عن العراق في مدة زمنية معينة وعن تشرد الشبان العراقيين في أرجاء الأرض وتمسك كبار السن بأرضهم رافضين الانتقال إلى بلدان أخرى.

تتابع الرواية حكاية أسرة عراقية من البصرة أثناء الحرب العراقية الإيرانية ترزح تحت واقع الحرب المستعرة التي كانت المدينة المتاخمة للحدود الإيرانية ميدانها الأبرز لتتحول أيامها إلى  انتظار قاس للموت أو التهجير ومطاردة أجهزة النظام.

الكاتب يتحدث عن ذلك الواقع العراقي القاسي الذي يلقي بعائلات في غياهب المجهول ويطوّح بأفرادها في "شوارع العالم" طلبا للأمن والاستقرار والخلاص

قسوة الواقع
فالأسرة البصرية في الرواية والمؤلفة من الأب والأم وابنيْهما تبحث عن الخروج من دوامة ذلك الخوف الجاثم على الصدور ليخط كل من أفرادها الأربعة مساره الدرامي المختلف وإن اتفقوا في المصير.

يكتب حلاوي بواقعية بعيدة عن الواقعية الجافة التي ألفها القارئ في الفترة الأخيرة والتي تغرق في آلية جامدة وتفاصيل تتوالد وتتناسل ويخلق بعض منها مللا في النفس، فواقعية حلاوي حية نابضة تنقل الحياة في أحزانها وآلامها وأوهامها ولذاتها وخيباتها.

يسير في الرواية خطان بتواز ولو عن بعد. الخط الأول هو قصة سالم الذي يصل السويد من الاتحاد السوفياتي بعد فترات أمضاها في دمشق وبيروت وأماكن أخرى، وقد كان شابا شيوعيا هرب من العراق أيام حكم الرئيس الراحل صدام حسين. ومن دمشق أرسله الحزب الشيوعي في بعثة دراسية إلى موسكو، حيث ملت نفسه الانضباط الحزبي والصرامة الأيديولوجية ليهرب إلى السويد ويصبح مطاردا من رفاق النضال ومن النظام.

الخط الآخر للرواية في العراق، حيث يعيش والداه وأخوه الأصغر زكي الذي يبلغ 16 عاما في مدينة البصرة التي تحولت إلى ما يشبه مدينة أشباح إذ تعيش العائلة باستمرار في القبو بفعل القصف المستمر.

يسعى الأهل لإبعاد زكي إلى مكان آخر بعيدا عن ويلات الحرب، ليذهب إلى خاله في مدينة أخرى ومن هناك هربته منظمة فلسطينية كواحد من أعضائها إلى دمشق حيث سيسعى للسفر إلى الاتحاد السوفياتي متوهما أن أخاه لا يزال يعيش فيه.

في الرواية نماذج تعبر عن جيل كامل من العراقيين، شخصيات قلقة ومهزوزة من الداخل تعيش حياة المنافي والتشظي النفسي وعدم الاستقرار في "شوارع العالم"

الوطن البديل
في غياب زكي يشتد القصف ويحل الدمار ببيت العائلة فينتقل الأب المتقاعد مع زوجته إلى مكان آخر بعيد عن القصف إلا أن اشتباكات دارت في المنطقة بين الجيش العراقي وسكان معارضين تجعلهم يهربون مع بعض السكان في شاحنة إلى منطقة عراقية أخرى، ليجدوا أنفسهم داخل الحدود السعودية.

وُضع القادمون في مخيم دولي يشرف عليه نرويجيون وتقرر إرسالهم لاجئين إلى دول أوروبية، رفض الوالدان وقررا العودة إلى بلدهما، وبعد رحلة عذاب وصلا إلى العراق حيث حُقق معهما وقررا الذهاب إلى بيت أهل الزوجة والقبول بما تكتبه لهما الأقدار.

في المنفى ينتظر سالم القرار بشأنه، ويعاني من الوحدة والخوف من أن يطرد مرة أخرى، ويفشل في محاولات الحصول على وثائق إقامة من خلال الزواج بفتاة سويدية لتكبر هواجسه ومتاعبه وتصبح كوابيس يومية تطارده كلما غفا.

يتمسك سالم بالمنفى رغم الإهانات التي يتعرض لها هو وغيره، فهو كما يقول "يتحمل الذل لإدراكه أنه في نهاية المطاف لن يموت جوعا هو وعائلته، أو يسقط قتيلا بقذيفة طائشة أو يقتل أو يختطف ويسجن من قبل غزاة ومليشيات".

صدر قرار بترحيل سالم إلى الاتحاد السوفياتي ليجد أن السوفيات يرفضون السماح له بالدخول ليرحل من السويد إلى دمشق حيث التقى شقيقه الباحث عن طريقة للسفر إلى الخارج. التقى الأخوان خارج العراق وبقي الوالدان في العراق رغم الموت والدمار.

في الرواية نماذج تعبر عن جيل كامل من العراقيين، شخصيات قلقة ومهزوزة من الداخل تعيش حياة المنافي والتشظي النفسي وعدم الاستقرار في "شوارع العالم"، لكن حتى هذه الشوارع الباردة ترفض أن تكون وطنا بديلا ليجد أبطال الرواية أنفسهم في العراق أو على تخومه مكرهين أو طائعين.

المصدر : رويترز