أمير تاج السر
 
كلما بدأت مواسم معارض الكتب في البلاد العربية بدأت معها أيضا قضية أخرى موازية، وهي قضية منع بعض الكتب من الدخول إلى المعارض في بعض الدول، وبالتالي منع تداولها بين القراء، ومنع إمكانية وجودها فيما بعد على رفوف المكتبات.

تلك المعارض يعتمد عليها الناشرون كثيرا في ترويج كتبهم بسرعة، ويعتمد عليها الكتاب أيضا في الحصول على قارئ يأتي خصيصا لاقتناء كتاب من مكان ليس فيه سلعة سوى الكتب، وأيضا لإقامة حفلات التوقيع التي أصبحت في السنوات الأخيرة من سمات المعارض، حتى ولو لم تجتذب جمهورا للكاتب وكتابه.

نقرأ في العادة قوائم طويلة وعريضة تضم إصدارات في مختلف ضروب المعرفة، خاصة كتب الفكر والآداب، سواء أكانت رواية أو شعرا أو قصصا قصيرة، باعتبارها كتبا ممنوعة من العرض، أي كتبا غير مرغوب في وجودها في هذا المعرض أو ذاك.

غالبا ما يسعى بعض القراء للحصول على الكتاب الممنوع بأي ثمن، لا لإرضاء شهوة القراءة كما يحدث عند القراء المتمرسين، ولكن بحثا عن النشاز، وبالتالي يحصل رواج أكثر لسلعة ربما تبور لو لم ينبه إليها

وفي المقابل، نقرأ ردود أفعال غاضبة من الناشرين الحالمين برواج سلعهم الموسمي، وتكبدوا بالفعل خسائر في الطباعة والنشر والدعاية والترحل من بلد لآخر، والكتاب الذين يبدون استغرابهم، وفي العادة يسعون -في حوارات معهم في الصحف- لتبرئة كتبهم من أي درن قد يستوجب منعها، وفي مواقع التواصل المنتشرة بشدة على الإنترنت نقرأ أيضا ردود أفعال من القراء الذين كانوا ينتظرون كتبا بعينها، ويفاجؤون بأنها غير متاحة حين تفتتح المعارض في بلدانهم.

الكتب التي تمنع في العادة -حسب اعتقادي- تضم شيئا من المحظورات التي ترى إدارات المعارض أنها خطوط حمر يجب عدم تجاوزها بأي حال من الأحوال، سواء أكانت محظورات دينية أو سياسية أو اجتماعية، وهي بالتالي تقوم بدور الغربال الذي يفلتر الكتب، وبدور الوصي أو ولي الأمر الذي يتيح لأبنائه شيئا، ويمنع عنهم شيئا آخر.

وهي بذلك الدور -ومن دون أن تدري- تنبه القارئ غير الأصلي، أو غير المتمرس في القراءة، إلى وجود نشاز ما في بعض الكتب، وغالبا ما يسعى ذلك القارئ للحصول على الكتاب الممنوع بأي ثمن، لا لإرضاء شهوة القراءة كما يحدث عند القراء المتمرسين، ولكن بحثا عن النشاز، وبالتالي يحصل رواج أكثر لسلعة ربما تبور لو لم ينبه إليها.

أنا شخصيا مع حرية الكتابة بلا شك، وأن يعبر كل كاتب بأي أدوات يختارها، ويبني عالمه كما يريد، وأن ينشر ما كتبه ويروج له، ولكن في نفس الوقت أرفض بشدة الخروج عن المألوف سعيا وراء شهرة غير حقيقية، ولا أقبل استخدام عبارات الشوارع العامية المتداولة في رواية ربما تكون أفضل بدون تلك العبارات، وأرفض الخوض في مسائل راسخة وعظيمة، وأرفض بشدة إقحام الدين في كتابة دنيوية والإساءة إلى الشعائر، ولا أستمتع بكتاب يتعرض لمثل تلك المسائل، مهما بلغت درجة صياغته الفنية.

وقد كتبت كثيرا عن عدد من الكتب غير المقبولة التي تعرضت لعقائدنا، مثل كتاب "جوهرة المدينة" للأميركية شيري جونز، التي قالت إنها استوحته من تاريخ متاح لكل من أراده، وكان كتابا مسيئا من حسن الحظ أنه لم يحقق أي انتشار في الغرب، ولم يترجم للعربية برغم ما أثير حوله قبل النشر، وقد رفضت نشره دور كبيرة في أميركا ونشرته دار بريطانية في النهاية، وكان عدم تحقيقه الانتشار المرجو ردا بليغا يفيد بأن القارئ المتمرس يعرف بنفسه كيف ينتقي الكتب.

كان من السهل على أي مثقف أن ينحرف بأفكاره لمجرد أنه قرأ كتابا، واليوم بتعدد المصادر ومقارنة المواضيع ببعضها، أصبح صعبا أن يؤثر كتاب وحيد في قارئ متعدد الثقافات

وفي المقابل، أبديت استغرابي من كتب عادية كانت متاحة لسنوات في المكتبات، تثور حولها ضجة فجأة، وتصنف مسيئة ومفسدة للأخلاق، لأغراض بعيدة تماما عن المنطق. والآن بعد ثورات الربيع العربي في بعض البلدان العربية، ووصول متشددين للحكم، بات من الصعوبة تمرير حتى الأفكار العادية في الكتابة الأدبية، خاصة تلك التي ستصطدم حتما بمن ينشئون معايير أخلاقية شديدة الصرامة، ربما تتعارض مع الإبداع.

المهم في الأمر، أن قارئ اليوم يختلف كثيرا عن قارئ الأمس، فقارئ الأمس تربى على محدودية القراءة، وصعوبة توفر الثقافة ووسائل المعلومات في محيطه، حيث كانت المكتبات قليلة، والكتب التي تطبع قليلة جدا، وغالبا تجدها هي نفسها في كل مكتبة، وفي أي بلد عربي.

والكتاب الجديد الذي يصدر في بلد ما لا يسمع به الناس في البلدان الأخرى ولا يستطيعون الاطلاع عليه إلا بعد زمن طويل، بعكس قارئ اليوم الذي تربى على سهولة العثور على المعلومة، التي تأتيه من ضغطة زر على الكومبيوتر، ومهما منع عنه كتاب فسيعثر على نسخة منه، حتى ولو إلكترونيا عن طريق المواقع التي تتيح الكتب إلكترونيا في الإنترنت.

رأيي الشخصي، أن قارئ اليوم أكثر ذكاء من قارئ الأمس، ويستطيع وحده أن ينتقي ما يصلحه، ويلفظ ما يضره، وإن حدث أن قرأ كتابا ضارا فسيعرف بالتأكيد ما يضره. في الأجيال السابقة كان من السهل على أي مثقف أن ينحرف بأفكاره لمجرد أنه قرأ كتابا، واليوم -بتعدد المصادر ومقارنة المواضيع ببعضها- أصبح صعبا أن يؤثر كتاب وحيد في قارئ متعدد الثقافات.

إذن، فلتطرح الكتب بكل ما فيها أمام ذكاء القارئ، ولا ينبغي منع الكتاب حتى لا تطارده العقول غير المتمرسة في القراءة، وتسعى لاقتنائه بأي ثمن.
______________
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة