فيليب روث أنتج 29 عملا أدبيا نجح معظمها في إثارة الدهشة لدى القراء (رويترز-أرشيف)

جنى فواز الحسن
 
في أكتوبر/تشرين الأول 2012، أعلن الكاتب الأميركي فيليب روث اعتزاله الكتابة، بعد أكثر من خمسين عاما من "اعتناقه" المهنة التي وصفها بأنها "طريقته في الحياة". وقد عبّر روث عن قراره وهو يتحدّث عن الصعوبة القصوى للكتابة، وعن المعاناة الذي تولّدها، وعمّا سلبته إيّاه طوال حياته.

لكنّ صاحب "الراعي الأميركي" و"الوصمة البشرية" -في وصفه العذاب الذي جعل الكتابة تبدو أقرب إلى اللعنة أو العقاب- أدخلَ عن غير قصد تلك المساحة المفتوحة للتساؤل عن العلاقة السادو/مازوشية مع الكتابة.

روث -الذي أنتج 29 عملا أدبيا ونجح في أن يثير الدهشة لدى قرّاءه مرّة تلو الأخرى- جعل القارئ يتساءل: ما الذي يجبر كاتبا أن يبقى على امتداد أكثر من خمسة عقود مثابرا على ما وصفه بـ"الحرمان الأبدي"؟

يروي روث أنّه أمضى السنوات الثلاث في إعادة قراءة نتاجه الأدبي الذي يبدو راضيا عنه، ولكنّ فكرة مواجهة الكتابة مرة أخرى تبدو مستحيلة

المواجهة المستحيلة
قرار روث أتى بعد ثلاث سنوات من إنهائه روايته الأخيرة "نميسيس" والتي يعود من خلالها إلى نيويورك الأربعينيات، والتي يبدو فيها وكأنّه يقدّم نظريته الخاصة عن القدَر والموت والوجود، ويأتي ليقول لنا إن الحظ لاعب أساسي في الحياة.

كيف أمضى روث السنوات الثلاث التي توصّل فيها إلى "الانقطاع" عن الأدب؟ وكم فكرة عبرت في ذهنه؟ وهل عاش صراعا قبل أن يبلغ نقطة الحسم؟ في إحدى مقابلاته الصحفية، يبدو روث كالراغب في التخلّص من عبء ثقيل حمله سنوات طوالا، ويقول بمنتهى الصراحة إنّه لا يرغب في أي صلة مع الرواية، لا كقارئ ولا ككاتب.

ويروي أنّه أمضى السنوات الثلاث في إعادة قراءة نتاجه الأدبي الذي يبدو راضيا عنه، ولكنّه يضيف أن "فكرة مواجهة الكتابة مرة أخرى تبدو مستحيلة". كيف يمضي الكاتب الذي انكبّ على الأوراق منذ كان شابا أوقاته إذن؟

يقول روث إنّه بصدد كتابة بعض المقاطع عن حياته الشخصية، وإنّه قد يسلّم هذه الشذرات إلى كاتب السِيَر بلاك بيلي الذي سيخطّ حياة الكاتب الأميركي على ورق بعد وفاته، على الرغم من إصراره على تدمير أرشيفه الشخصي تماما بعد رحيله عن الدنيا.

أعمال روث تفاوتت في الأهمية، فحاز بعضها إعجاب النقاد أكثر من غيرها، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن روث بقي على إيقاع واحد من الإبداع الأدبي

من الخارج إلى الداخل
الميزة الأبرز التي تمتّع بها روث خلال مسيرته الأدبية هي صموده في هذا العالم الغنيّ من دون أن يفقد تألّقه أو يقع في التكرار. فالروائي الدانماركي الأصل الذي اشتهر بعمله "وداعا كولومبوس" (1959) الذي يعكس فيه تصويرا كوميدياً للحياة اليهودية، بقي صامدا حتى الرمق الأخير.

لا شك أن أعمال روث تفاوتت في الأهمية، فحاز بعضها إعجاب النقاد أكثر من غيرها، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن روث بقي على إيقاع واحد من الإبداع الأدبي.

العتب الوحيد الذي قد يوجّه للكاتب المخضرم هو حصر بيئة معظم أعماله في المجتمع اليهودي بأميركا المعاصرة، في وقت كان بإمكانه ربّما اصطحابنا لاكتشاف مساحات أخرى من بقاع هذا العالم.

والسؤال هنا: إذا كانت معظم أعمال روث ترتكز على المجتمع اليهودي، فكيف يمكننا القول إنّه لم يقع في التكرار؟ الذي يميّز روث ليس سوسيولوجيا الكتابة، بل قدرته الكبيرة على الكتابة من الخارج إلى الداخل والغوص في مكامن النفس البشرية، عصرها واستخراج هواجسها ومخاوفها ليبدو أبطاله عالميين، كأّنهم في لحظة ما خرجوا من بين دفتيْ الكتاب ليتلبّسوا الإنسان -أيّ إنسان- بعيدا عن أصله وجذوره.

الفردية التي تمتّع بها شخوص روايات الكاتب الأميركي هي التي جعلت بصمته في الأدب بالغة الأهمية

أزمة العمر
في روايته "الحيوان المحتضر" -على سبيل المثال- يغوص روث في أزمة العمر عند الرجل، ويعرض مخاوفه من الارتباط، ومخاوفنا جميعا في لحظة معيّنة من الاستسلام المطلق للحب، لكي لا نخسر "أنفسنا" في معركة لا رابح فيها.

الأستاذ الجامعي الكبير -الذي قاوم حبّ إحدى تلميذاته كي لا يفقد سمة الاستقلالية التي رافقته طوال مسيرته الشخصية والمهنية- وجد نفسه وقد تخلّى عما قد كان يعتبر فعلا روح هذه الحياة. والمفاجأة أن "الحيوان" الذي يحتضر لم يكن هو من يلفظ النفس الأخير في الرواية، بل الحبيبة الشابة، كأنّ روث يريد أن يقول لنا أن لا مسلمات في هذه الحياة، كل شيء عرضة للتحوّل ولإثبات عكس توقعاتنا.

هذه الفردية التي تمتع بها شخوص روايات الكاتب الأميركي هي التي جعلت بصمته في الأدب بالغة الأهمية، ففي روايته "كل رجل"، يعرض الكاتب الحياة الخاصة لرجل أميركي، ليجد القارئ أن هذه الرواية ليست محصورة في الحدود الجغرافيّة للأحداث، وإنّما هي حكاية الإنسان في مختلف الأزمان والأماكن.

هذا هو إذن الكاتب الذي يصحبنا باتجاه الداخل، ويجعلنا نفكّر في أبعاد مختلفة للأمور يعزم على الرحيل، يلملم أبطاله -الذين كان هو في بعض الأحيان أحدَهم- ويسألهم أن يرحلوا عنه، أن يتركوه بسلام لأنه اكتفى من حيواتهم المدجّجة بالأسئلة، لأنه ترك كما كان يريد "بعض الآثار"، ولأنه تنفّس الكتابة بما يكفي "إلى حدّ قطع النفس"، كما يقول الكاتب.

رحل روث وهو على قيد الحياة، ولم تكن روايته الأخرى بمثابة وداع للقرّاء أو محطّة ليفرغ فيها الذاكرة، على الرغم من طرحها العديد من الأسئلة الوجودية. ولكن السبات الذي سيغرق فيه الكاتب، هو الذي أغدق علينا بأكثر مما ينبغي.

سيكون من دون شك مؤرقاً لنا نحن القرّاء الفضوليين الذين سننتظر بفارغ الصبر يوم تصير سيرته في متناول أيدينا، لكي نتلصص على المبدع الذي لخّص الصراع مع الكتابة في جملة حين قال: "أصعب شيء في الحياة أن نكسر الصمت بالكلمات، ثمّ نكسر الكلمات بالصمت".
_______________
روائية وكاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة