الأديب الراحل طه حسين ترك تراثا فكريا كبيرا اتفق معه الكثيرون واختلف معه آخرون
أحمد الشريقي-الدوحة
 
لم يهدأ غبار المعارك التي أثارها طوال حياته، ولا حتى بعد العام الأربعين من الغياب. ولما لم ينل منه خصومه في حياته، وبقي رائد حركة التنوير لمن بعده، سُرق تمثاله من قلب مدينته ومسقط رأسه "المنيا" في غارة أخيرة على ما تبقى من عميد الأدب العربي طه حسين.

لم يكن صاحب "الأيام" كاملا. عاش تحولاته في السياسة والفكر كأي مثقف ينشد الحقيقة، لكنه في تحولاته وحيرته وشكه ذاك كان من أوائل من يلقون حجرا في بركة الفكر العربي الراكد، حين أثار زوبعة هائلة في كتابه "في الشعر الجاهلي"، وفتح الباب لمن بعده لهز المسلّمات وبعث الحياة في الساكن.

لا أحد من الذين انتقدوا أفكار طه حسين واختلفوا معه ينكر ريادته الفكرية وجهوده التنويرية

إشكالي ومختلف
هاجم طه الأزهر وهو أزهري، وخلع الجبة واستبدل لقب العالِم بالمثقف. هاجم الإنجليز بضراوة أثناء الاحتلال وهادنهم أيضا. اتهم بممالأة الصهيونية من خصوم رأى مناصروه أنها كانت كيدا، وأنهم لم يقرؤوه مدافعا عن فلسطين.

خاض الراحل سجالات مع ساطع الحصري حول القومية العربية، وحين جاء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حاملا لواء القومية وقف إلى جانبه، وهاجم معه الإخوان المسلمين، وهو الذي كان قبل عهده وزيرا للمعارف. دعا في بواكير حياته إلى عدم الزواج من كتابية، وفعل هو حين تزوج من فرنسية.

كل ذلك جزء من تحولات مبدع السيرة الذاتية في الأدب العربي "الأيام"، لكن لا أحد من الذين انتقدوا أفكاره واختلفوا معه ينكر ريادته الفكرية وجهوده التنويرية، وهو الذي دعا إلى أن يكون العلم كالماء والهواء، وإلى إصلاح التعليم في الأزهر، وعرض رؤيته في كتاب عن مستقبل الثقافة في مصر.

من سيرته
في بواكير حياته الأولى -وهو الذي أطل على الدنيا عام 1892 في ناحية من نواحي "مغاغة" وتعرف باسم "عزبة الكيلو" في المنيا- عاش حياة بائسة فقَدَ فيها بصره جراء جهل مجتمعي ظل يطارده، فيوجه سهامه إليه منتقدا ومصححا ومنتصرا للتعليم الذي لو كان لما غشي بصر التلميذ الفتى.

المعركة التي أثارت كثيرا من الزوابع على طه حسين كانت بعد عودته إلى مصر وتأليفه كتابه "في الشعر الجاهلي"

يسطر في سيرته "الأيام" حكاية المرض الذي أصابه فأُهمل أياما ثم دُعي حلاق فعالجه علاجا ذهب بعينيه. غير أن ذلك لم يمنع "المتمرد" بعد ذلك على تقاليد مجتمع بائس أن يحفظ القرآن وهو ابن التاسعة، بسعي وحث من أبٍ يعمل موظفا في شركة السكر القريبة من مكان ولادته.

بيد أن الابن السابع عشر لأبيه، وحالة حاضنته الأولى تلك، عثر على مكون ثقافي ومصدر من مصادره المعرفية التي ستتوالى بعد ذلك، إذ سمع حكايات النسوة وحفظ الأغاني وتفتحت ذاكرته على السير العربية الأولى التي ستمده فيما بعد برصيد معرفي وثقافي أول، قبل أن يلتحق بالأزهر.

إلا أن سيرته الأزهرية لم تكن تمضي كما يجب، وطرد منه لولا توسط لطفي السيد، حيث أعيد ثانية. تأثر في هذه المرحلة بدروس الشيخ محمد عبده، ودرس النحو والفقه والبلاغة، غير أن أكثر المنابع تأثيرا فيه كان افتتاح الجامعة المصرية عام 1908، إذ عرف أساتذتها المستشرقين أثناء تردده عليها، لكنه لم ينقطع بتاتا عن الأزهر وظل يتردد على دروس يختارها هو.

معاركه وخصوماته
أولى معاركه وإشكالاته كانت حين ألف كتابه عن أبي العلاء المعري "مع أبي العلاء في سجنه"، إذ اتهم بالزندقة والإلحاد. وهي أول رسالة جامعية له، ووقتها طالب أحد أعضاء الجمعية التشريعية بحرمان طه حسين من حقوق الجامعيين لأنه ألف كتابا فيه كفر وإلحاد، إلا أن تدخل سعد زغلول حال دون ذلك.

ترك طه حسين وراءه كتبا كثيرة في الرواية والسيرة والفكر وعشرات المقالات السياسية، إرثا اختلف معه كثيرون واتفقوا

أطل صاحب "شجرة البؤس" على مصدره الثقافي الثاني بعد المصدر المصري في فرنسا التي ابتعث إليها عام 1914، وهناك حصل على درجة الليسانس في الآداب من جامعة السوربون، وهناك أيضا اقترن بزوجته الفرنسية "سوزان" التي أعانته على الحصول على درجة الدكتوراه في فلسفة ابن خلدون، وكانت قد قرأت عليه عيون الأدب الفرنسي.

لكن المعركة التي أثارت كثيرا من الزوابع بعد ذلك كانت إثر عودته إلى مصر وتأليفه كتابه "في الشعر الجاهلي"، إذ أصدر أحد النواب الوفديين استجوابا بشأن الكتاب. ولما كانت الوزارة برئاسة عدلي باشا فقد هدد بالاستقالة إذا أضير طه حسين.

تقلب في العديد من المناصب الأكاديمية والرسمية، وكان في آخرها وزيرا للمعارف عام 1950، انصرف بعدها إلى الإنتاج الفكري والأدبي حتى وفاته عام 1973.

ترك طه حسين وراءه كتبا كثيرة في الرواية والسيرة والفكر وعشرات المقالات السياسية، إرثا اتفق معه كثيرون واختلف آخرون، بيد أن أحدا يجادل بالفكر لا رغبة لديه في الإساءة للرجل وقد طواه الغياب منذ زمن بعيد.

المصدر : الجزيرة