أمجد ناصر
 
وصفت الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي الإقبال على الرواية بالسعودية في السنين الأخيرة بأنه أشبه بـ"تسونامي"، وفي أواخر التسعينيات من القرن الماضي بشّرنا الناقد المعروف جابر عصفور بأننا نعيش في "زمن الرواية". وبالفعل حصل ازدياد كبير في عدد الإصدارات الروائية العربية قياسا مثلا بالإصدارات الشعرية التي كان لها الصدارة.

ولكن قبل المضي في الحديث عن "تسونامي" الرواية العربية (وليس السعودية فقط) وما إذا كنا نعيش "زمن الرواية" (في مقابل زمن الشعر كما يضمر المصطلح)، دعونا نتوقف أولا أمام هذه الأرقام المقارنِة لإصدارات الكتب عربيا وأجنبيا.

ففي إحصائية لليونسكو تظهر الولايات المتحدة الأميركية أكبر ناشر كتب في العالم، إذ بلغ عدد إصداراتها عام 2011 (الورقية وليس الكتاب الإلكتروني) نحو 330 ألف عنوان، تليها مباشرة بريطانيا التي تشير إحصائية عام 2005 إلى صدور نحو 200 ألف عنوان فيها.

سنفاجأ بأن الدولة التاسعة في عدد إصدارات الكتب في العالم هي إيران التي صدر فيها عام 2010 نحو 60 ألف كتاب، في حين صدر في تركيا عام 2011 نحو 43 ألفا.

أما أكبر بلدين عربيين ناشرين للكتب فهما مصر (90 مليون نسمة) التي صدر فيها عام 2000 نحو تسعة آلاف، في حين لم يصدر في بيروت (مطبعة العالم العربي!) عام 2005 سوى أربعة آلاف كتاب، في الوقت الذي بلغ فيه عدد الكتب الصادرة في إسرائيل (7 ملايين نسمة!) عام 2006 نحو ثمانية آلاف!

بما أن الأرقام شبه غائبة في العالم العربي وليس هناك مَن نراجعه بشأنها، فمن الصعب أن نقف على رقم دقيق للروايات العربية التي تصدر سنويا

محتمل، بالطبع، أن إصدارات القاهرة وبيروت قد ازدادت منذ ذلك الحين، ولكنها تظل زيادة نسبية ولن تضاهي -إلى جانب الإصدارات العربية مجتمعة- في أي حال من الأحوال ما يصدره جيراننا الإيرانيون (75 مليون نسمة) أو الأتراك (75 مليون نسمة)، مع العلم أن الناطقين باللغة العربية يتجاوزون 300 مليون نسمة!

لن أغرق في تحليل مغزى هذه الأرقام ولكني سأكتفي بالقول إنها تعطينا فكرة ساطعة -قل قاتمة- عما يعرفه العالم العربي من خمول معرفي وأمية فعلية وثقافية. ولا نحتاج إلى حكيم كي يقول لنا إن درجة تقدم الأمم ورقيها وسيطرتها على شؤونها تقاس بما تؤلفه وتصدره من كتب.

فقد قيل في مطلع القرن العشرين إن تقدم الأمم يقاس بدرجة استهلاكها للكهرباء باعتبارها مقياسا للتطور الصناعي والمديني عموما، وها نحن لا نكفّ عن استخدام الكهرباء من دون أن نحقق أي وجود ملحوظ على لائحة الدول المتطورة صناعيا أو تكنولوجيا أو زراعيا أو معرفيا.

نتحدث عن "تسونامي" في الرواية العربية لأن إصدار الروايات زاد عما كان عليه من قبل. وبما أن الأرقام شبه غائبة في العالم العربي، وليس هناك من نراجعه بشأنها، فمن الصعب أن نقف على رقم دقيق للروايات العربية التي تصدر سنويا، ولكنها بالتأكيد لا تقترب مما يصدر في بريطانيا (60 مليون نسمة) ناهيك بالطبع عن أميركا البلد- القارة.

ففي إحصائية وقفت عليها مؤخرا، يصدر بين لندن ونيويورك سنويا نحو عشرة آلاف رواية مناصفة تقريبا بين العاصمتين، وبالإجمال فإن عدد الروايات الصادرة في العالم الناطق كليا أوجزئيا باللغة الإنجليزية يبلغ نحو 100 ألف رواية سنويا!

لا أظن أن العالم العربي مجتمعا يصدر نصف هذا العدد في جميع الحقول المعرفية بما في ذلك، على الأغلب، الكتب المدرسية. لكن هذا لا يعني مطلقا أن تلك روايات جيدة كلها أو يتحقق فيها الشرط الفني الروائي، فكثير منها يقرأ في القطار أو الحافلة ويرمى بعد ذلك، ناهيك عن تعدد أنواع الروايات التي صارت لها في الغرب خانات ثابتة تلبي ميولا وأمزجة متعددة مثل الرواية الأدبية والبوليسية والنسائية (شيك ليت) والرومانسية والفنتازية وروايات الخيال العلمي، إلى جانب الروايات المكتوبة للفتيان وروايات "الكوميكس".

نحن وحدنا نتحدث عن "زمن الرواية" لأنها فن أدبي طارئ -نسبيا- علينا، عكس الشعر الذي لنا معه تاريخ طويل

ورغم غزارة الإنتاج الروائي في بريطانيا وبلدان الكومنولث فإن القائمة الطويلة لأهم جائزة للرواية المكتوبة في هذه البلدان "مان بوكر" تضم ثلاث عشرة رواية وليس ست عشرة رواية على ما هي عليه الجائزة العربية المستنسخة منها!

أياً يكن مغزى الأرقام السابقة وأيا تكن جودة هذه الروايات أو رداءتها فهي تعني شيئا: أن هناك مجتمعات حية تفكر وتكتب وتقرأ وتنتج وتسوّق. هذه عملية متداخلة ومعقدة تنطوي على عناصر متبادلة التأثير، ولكن المهم في الأمر (وهنا نأتي إلى نقطتنا الثانية) أن أحدا في الغرب لا يقول اليوم إنهم يعيشون "زمن الرواية".

يتحدثون عن زمن الديجتل والإلكترون وبعد ما بعد الحداثة.. وأحيانا نسمعهم يتحدثون عن موت الرواية رغم كل هذا العدد الهائل من الروايات التي تصدر باللغات الأوروبية. نحن وحدنا نتحدث عن "زمن الرواية" لأنها فن أدبي طارئ -نسبيا- علينا، عكس الشعر الذي لنا معه تاريخ طويل، ولأن كتاب الرواية كانوا يعدون على أصابع اليدين الاثنتين في طول العالم العربي وعرضه قبل أربعة أو خمسة عقود.

إنه أمر طبيعي أن نرى ازديادا في كتابة الرواية لأننا كنا نعرف نقصا فادحا فيها، أقلّه على صعيد الكم. ولكن الأمر لا يتعلق بالكمّ فقط (رغم أنه يعكس بعدا اجتماعيا وثقافيا)، بل بعلاقة الرواية بالواقع.

لم يكن جابر عصفور أول من لاحظ -عربيا- أن الرواية هي ابنة عصرنا الحديث و"ديوانه"، بل نجيب محفوظ، وكان ذلك ردا على عباس محمود العقاد الذي قدّم الشعر على الرواية، واعتبر أن ما تقوله الرواية في خمسين صحفة يختصره الشعر في بيت واحد!

ففي مقال كتبه في مجلة "الرسالة" عام 1945 قال محفوظ: "لقد ساد الشعر في عصر الفطرة والأساطير، أما هذا العصر، عصر العلوم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتما إلى فن جديد يوفق، على قدر الطاقة، بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنينه القديم للخيال، وقد وجد هذا العصر بغيته في القصة (يقصد السرد القصصي عموما)، فإذا تأخر الشعر عنها في مجال الانتشار فليس ذلك لأنه أرقى، ولكن لأنه تنقصه بعض العناصر التي تجعله موائما للعصر، فالقصة انطلاقا من ذلك هي شعر الدنيا الحديثة".

إذا كان نجيب محفوظ هو الذي لاحظ مبكرا أن الرواية "شعر الدنيا الحديثة"، فإن جابر عصفور هو الذي نحت مصطلح "زمن الرواية" ونظَّر له في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه وجعله يذهب مذهب المثل السائر

وهناك سبب آخر لا يقل أهمية في نظر محفوظ يجعل الرواية "شعر الدنيا الحديثة" (كأنه يقول ديوان العرب الجديد) هو "مرونة الرواية واتساعها لجميع الأغراض مما يجعلها صالحة للتعبير عن الحياة الإنسانية في أشمل معانيها".

مثل هذه الأسئلة عرفها الغرب قبلنا بنحو ثلاثة قرون، أي انطلاقا من القرن السابع عشر الذي شهدت فيه الرواية انطلاقتها الكبيرة مترافقة مع أفول الإقطاع والملكيات المطلقة وبزوغ البرجوازية والثورات الديمقراطية وما نتج عن ذلك من تغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية مفصلية.

لقد كان الشعر (الملحمة) في الغرب هو الفن اللغوي الأول. ومثلنا كان هناك من يرى أن الشعر يتفوق على هذا الفن الطارئ، بل "الدوني" الذي يخوض في شؤون يومية نافلة (وربما لا معنى لها) والأصعب بالنسبة لأولئك اقترابه من "لغة الشارع"، ملوثا نقاء اللغة ومجترئا على قواعدها.

أولئك الذين رأوا في الرواية "فنا دونيا" غير جدير بالخلود (المسجل باسم الشعر وحده) يصدرون حكمهم دفاعا عن عالمهم الأرستقراطي المنهار أمام زحف "العامة" على المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهو أمر قد يكون مشابها لموقف العقاد (بفارق نحو ثلاثة قرون!) وتصدي نجيب محفوظ له على نحو أثبتت الأيام صحة رأي الأخير.

كان محفوظ يهجس (بحدس الروائي، يا للمفارقة!) بالتحولات التي تعرفها مصر وسوف تؤدي، في أقل من عشر سنين، إلى انهيار الملكية والإقطاع (المتأخر كثيرا عن مثيله العالمي) وصعود فئات اجتماعية "دنيا" إلى مقدمة الحياة السياسية المصرية.

هذا تشابه -نسبي بالطبع- بين ازدراء الأرستقراطية الأوروبية الآفلة للرواية واعتبار العقاد أن بيتا واحدا من الشعر أبلغ من خمسين صفحة رواية. وإذا كان محفوظ هو الذي لاحظ مبكرا أن الرواية "شعر الدنيا الحديثة"، فإن جابر عصفور هو الذي نحت مصطلح "زمن الرواية" ونظَّر له في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه وجعله يذهب مذهب المثل السائر، بل إن عصفور هو من بعث رأي محفوظ من وهدة النسيان ليعيد إليه الاعتبار كنبوءة، ربما نسيها صاحبها.

أخيرا.. العجيب أن أول "اعتراف" عالمي بالأدب العربي الحديث لم يكن على الشعر الذي لنا فيه أعلام كبار حدثيون، بل على الرواية ممثلة في نجيب محفوظ نفسه. قد لا يكون في الأمر دلالة خاصة باعتبار أن "نوبل" هي -تقريبا- جائزة للرواية وليست للشعر، ولكن الأمر مدعاة للتساؤل.

المصدر : الجزيرة