لقطة من مسرحية "شكون أنت؟" عن نص للأديب المغربي محمد الأشعري (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط
 
من موقع الأديب المتأمل لوحش السلطة المتناسل في وجوه أجيال من السياسيين الممارسين للحكم، والسياسي الذي انخرط في معترك السلطة قبل أن يغادرها شبه يائس من مآلاتها، فاجأ الشاعر والروائي المغربي محمد الأشعري الوسط الثقافي المغربي بنص مسرحي جديد يحمل عنوان "شكون انت؟" (من أنت؟) تعرضه حاليا بالرباط فرقة "أفروديت" المغربية.
 
هي مفاجأة مزدوجة تكمن أولا في طرْق الفائز بجائزة بوكر للرواية العربية 2010 عن روايته "القوس والفراشة" باب المسرح، وهو الذي تمركزت جل إبداعاته منذ السبعينيات في كتابة الشعر ثم الرواية أساسا، وثانيا في اختياره خوض التجربة الجديدة باستخدام العامية المغربية لأول مرة.
 
ويكتسي ذلك دلالة ملفتة في خضم التدافع اللغوي بالمغرب، وتبلور تيار –أغلب رموزه من الفرنكفونيين- يدعو إلى استخدام العامية القريبة من المواطن المغربي في مختلف مناحي الحياة العامة والإعلامية والأشكال التعبيرية.
 
محمد الأشعري اشتهر كشاعر وروائي قبل أن يطرق باب الكتابة المسرحية (الجزيرة)
جنون السلطة
ينبري محمد الأشعري -الذي سبق أن تولى منصب وزير الثقافة- لتفكيك الأبعاد النفسية لجنون السلطة من خلال نموذج حي رأى المراقبون أنه يجسد سيرة أشهر وزير داخلية في تاريخ المغرب منذ الاستقلال.

وأبعد من فضح تداعيات ممارسة السلطة وتجلياتها في من يخضعون لنيرها، ينحو نص "شكون انت؟" لاعتبار مجنون السلطة أول ضحاياها، إذ ينتهي إلى أكل نفسه بعد أن تخونه تقلبات الزمن السياسي وتلقي به إلى الهامش، وينحدر إلى درك الريبة والوساوس والهلوسة الفصامية، وصولا إلى موت نكرة.

وليست المسرحية، التي تعرضها فرقة "أفروديت" المغربية بالمسرح القومي في الرباط، تصفية حساب مع شخصية بعينها، بل هي بالأحرى رصد لتناسل الظاهرة وتجددها في مجتمع ما زال في طريق طلب الديمقراطية، ومساءلة لذاكرة يحدق بها خطر النسيان، الذي يسمح بتكرار سيناريوهات إنتاج المستبد في قالب من الفنتازيا والسخرية السوداء.

يكتسي النص المكتوب أبعادا جمالية وإيحائية أخرى على الركح، وتدخل شخصية وحش السلطة  في مونولوغات وحوارات بين الصورة والأصل من خلال لعبة المرايا التي تسمح بتصعيد حوارات هذيانية بين الشخص الذي كان والشخص الذي صار إلى أبعد تخوم التعاسة والشقاء.

ويصف مخرج المسرحية عبد المجيد الهواس نص الأشعري بأنه من النصوص التي تؤسس لرؤية مغايرة للكتابة المسرحية بالمغرب٬ وتفسح إمكانيات واسعة للإبداع الفني الذي يحول المكتوب إلى مادة فرجة حية.

 تلقي مسرحية "شكون أنت؟" حجرا في البركة الراكدة لحركة مسرحية مغربية متذبذبة من خلال اسم له ثقله في خريطة الأدب المغربي والعربي

آفاق جديدة
ويوضح الهواس رؤيته الإخراجية للنص قائلا "لم يعد الإخراج المسرحي الحديث مجرد تحويل لمجموع المادة الأدبية إلى منطوق يمر عبر قناة الممثل ليقدم للجمهور بقدر ما تتشكل طبيعة هذا التحويل عبر مجموع مكونات الفرجة المسرحية من حيث تصور الفضاء وطبيعة الشخصيات وطريقة لباسها وديناميتها الحركية والتعبيرية".

ويضيف أن "رؤيتنا لإخراج هذا العمل المسرحي تستند على توظيف مجموع هذه المكونات: جسد الممثل كمادة تعبيرية٬ والسينوغرافيا ومقومات الفضاء واللباس بوظيفته الدلالية والجمالية، والإضاءة وقدرتها التعبيرية، وكذلك الموسيقى والتوليف الصوتي..".

ويأتي تعاون الأديب محمد الأشعري مع فرقة "أفروديت" تكريسا لمسار هذه الفرقة الجادة التي تأسست عام 1999 من شباب خريجي المعهد العالي للفن المسرحي بالعاصمة المغربية، مراهنة على البحث والتجريب ومراوحة في اشتغالها على نصوص درامية وغير درامية، مستلهمة الشعر والسرد والشهادة لتفتح في مسام التجربة المسرحية المغربية آفاقا جديدة للاشتغال على الأشكال والتيمات.

وتولي الفرقة أهمية أكبرى لخلق جمهور ظل متعطشا لتجربة تتجاوز الأنماط التقليدية في التعبير والتناول من خلال البحث في جماليات العرض المسرحي وإعطاء مكونات العرض الفنية والتقنية أهمية بالغة.

مسرحية "شكون انت؟ ألقت حجرا في البركة الراكدة لحركة مسرحية مغربية متذبذبة من خلال اسم له ثقله في خريطة الأدب المغربي والعربي، وهي تشجع على تدشين حركة تلاقح خصب بين الإنتاج الأدبي الحديث والفرق المسرحية الطليعية التي تسعى إلى تقديم فرجة فنية راقية.

المصدر : الجزيرة