تجربة طاهر ومان التشكيلية تمتد لأكثر من 40 عاما (الجزيرة)
فرحات جلاب-الجزائر
 
عندما تلتقي الطاهر ومان وتحادثه تعرف أنك لن تنجح في اختزال ما يقول لاتساع الأفق المعرفي للرجل وفهمه المتميز للفن التشكيلي والأدب، ولأنه يحمّلك عبئا من "أوضاعنا السيئة على أصعدة كثيرة نحن الجزائريين والعرب"، فيورّط محاوره في جلسة بين العقل والعاطفة، لكن روعة الفن تكون الحاضر الأكبر.
 
قدّم ومان -المولود عام 1954 ببسكرة بوابة الصحراء الجزائرية- أول معرض له عام 1971، وهو العصامي الذي قطع مسافة تتجاوز الأربعين عاما تجريبا وبحثا، سافرت خلالها لوحاته إلى كل أصقاع الدنيا، واغتنت بقراءات هذا الفنان الجيدة في الأدب العربي القديم والحديث.
 
بدأت هذه التجربة بالتأمل في أصباغ الزرابي وألوان الحرفيين وصلصال لوحات حفظ القرآن، قبل أن يشقّ طريقا مختلفا في الحركة التشكيلية الجزائرية بلوحة تغيرت مادتها حسب التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية المحيطة به. وبفعل رسالة الطاهر ومان في مساحة اللوحة ومن خلال أشكاله وألوانه، فلوحته لا تخطئها العين.
يستعمل ومان مواد مختلفة لإنجاز لوحاته (الجزيرة)

تجربة مختلفة
يقول التشكيلي المخضرم للجزيرة نت "قاموسي اللوني لم أكتسبه في المرافئ الجامعية، بل تكامل وتزايد في أغصان مخيلتي، انبعث منذ الطفولة وما قبلها في ثقافة الأجداد، وقاموس الطبيعة المحلية وبالأخص الواحة التي نشأت فيها".

صاحَب ومان جيلا من المبدعين الجزائريين، ورسم أغلفة مئات الكتب، فكان القارئ لنصوصهم ونصوص العرب، ورسم حتى قصائد شعراء (كالشاعر السوري مروان ناصح)، واستوحى لوحات من شاعر ثورة الجزائر مفدي زكرياء وعمّق ثقافته من روح الانتماء.

ولا ينكر ومان تأثير الفكر العربي في أعماله، إذ يقول "لقد صار الفكر العربي المعاصر منبعا لأعمالي الفنية، فالمصدر كان مأخوذا بل معيشا مباشرة عبر الإنتاج الأدبي والفكري بالجزائر والوطن العربي".

ويذكر أيضا بروافد أخرى طبعت تجربته كاطلاعه على الأدب الفرنسي خصوصا، ناهيك عن تأثره بالحركات الفنية الجزائرية بداية من جماعة "الأوشام" المنادية بضرورة بناء اللوحة بالأدوات الخطية المحلية.

أحد أعمال التشكيلي  طاهر ومان (الجزيرة)

حوار الواقع
مرّ الطاهر ومان بمراحل سايرت تحولات الجزائر والوطن العربي. وفي الجزائر لا يعرف فنان مزدوج اللغة مثل ومان في خريطة الفن التشكيلي، فهو قريب كل القرب من الأوساط الأدبية المعرّبة، كما أن الألوان يعدها البعض لعبة لفنانين فرنكوفونيين في الغالب.

لم يختر ومان كيف يرسم وماذا يرسم، كما يقول، "بل التربية الفنية العائلية الشعبية هي التي تدير مواصفات بناء عملي وتسميه في منجد الفن التشكيلي. عناصر لوحاتي إرث وأمانة أمام ضميري، أوزعه على مساحة اللوحة وفق لغة اليوم، لكن يأخذ نغمات الشكل والحركة، تناسبا مع ترسبات فكرية، ينبش عنها الحاضر بثقة، ويزرع مدلولها بشتى الأدوات التعبيرية نثرا وخطا ولونا وحتى صوتا وأداء".

ولا يرسم الطاهر ومان لوحاته انطلاقا من دواع نفسية مبهمة فقط، بل تأخذ التجربة الإبداعية عنده شكل التفاعل الواعي مع ظروف بلاده والوطن العربي، من غير السقوط في المباشرة التي تفقد الفن شيئا من إبهامه الجميل.

لكن ومان يحذر من الإبهام الفني، لذا أنقذ لوحاته من السقوط في السريالية تقليدا للآخرين، بل عرّبها بكل ما ضمّن مساحة اللوحة من تراث عربي إسلامي، بداية من الخط العربي، وهنا تكمن أهمية تجربته.

أشكال لوحات الفنان الجزائري مرّة تحتجّ، ومرة أخرى تتذكّر، وثالثة تفخر، ورابعة تعاند وتصرّ على البقاء. وحتى في المادة التي يضع عليها ألوانه نجد هذه المعاني الكبيرة، ففي المرحلتين الأخيرتين من تجربته الكبيرة كان ورق الذهب المادةَ التي تتذكر رخاء ورفاهية الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس وحضارة الزيانيين والحماديين بكل ألوان الطبيعة الزاهية.

وكذلك كان العمل على البرونز في التجربة الأخيرة، بما يحمله هذا المعدن من مقاومة وعناد، فقد "تغيرت الخامة من الصفائح الذهبية إلى البرونزيات تشبثا بماض يراد استلابه منا"، كما يقول.

لوحات طاهر ومان لا تقوم على المباشرة ولا تسقط في السطحية (الجزيرة)

الحرف العربي
الباحث في حضور الحرف العربي داخل لوحة ومان يقف على مسار انتماء حقيقي للحضارة العربية الإسلامية، فالألوان لا تكفيه ليقول ما يريد، بل إنه يستعين بالخط العربي الذي تأثر به هو ومجموعة من الفنانين الجزائريين، وهي الحروفية التي غدت منهجا وطريقة.

ولكن الحرف العربي عند ومان واضح حدّ الصراخ ومضمر حدّ الحياء، فهو كيان مضمّن بين طيات اللون، وبارز كالبعد الثالث في اللوحة، وهو يقول في ذلك إن "تجويد الخط العربي رصيد يدهش في غنائياته التاريخ الإنساني كله، أما أنا فأخذت هذا الإيقاع متناولا سيميائيا في اللوحة الحديثة وقدمته في شكل يقرأ بصريا".

التشبث بالخط العربي المغربي ظهر جليا في لوحات ومان في مرحلة ما بعد غزو العراق، وبداية ضياع تراثه الإنساني، لكنه مستمر في فهم الحياة بألوانه وخطوطه وتأخذه ريشته إلى مضارب مختلفة، ليبقى يعمل على تكريس فن عربي حقيقي، يعبّ من كل المخزون الإنساني.

المصدر : الجزيرة