"هشاشة".. عن المعايير المتغيرة وضياع الإنسان
آخر تحديث: 2013/12/9 الساعة 15:58 (مكة المكرمة) الموافق 1435/2/6 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/12/9 الساعة 15:58 (مكة المكرمة) الموافق 1435/2/6 هـ

"هشاشة".. عن المعايير المتغيرة وضياع الإنسان

غلاف المجموعة القصصية "هشاشة" للتونسية إيناس العباسي (الجزيرة)

هيثم حسين

تقص التونسية إيناس العباسي في مجموعتها "هشاشة" سيَرا للخطايا وعبرا مستقاة من المواجهات الحياتية والواقعية، لاسيما وأنها تغوص في جغرافيات مختلفة وعوالم متباينة من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ومن الواقع إلى الافتراض إلى التخيّلات، بحيث تكمل لوحتها القصصيّة بمفارقات واقعية، وتزيح النقاب عما يخفي الهشاشة ويستر عورة البؤس والجريمة المتعددة التجليات.

تختار العباسي عنوانا عاما لمجموعتها "هشاشة"، وهو عنوان يسم القصص كلها بطريقة أو بأخرى، وفي بعض القصص يكون توصيفا للشخصيات التي تجد نفسها هشة في واقع مزرٍ، فتنهار أمام المشقات وتضيع في زحام الضعف والضغوط.

تتضمن المجموعة -الصادرة مؤخرا عن دار الفارابي ببيروت- عشر قصص هي: "حين رأيت جثّتها"، و"زوج أقراط"، و"أونلاين"، و"ذاكرة الملح"، و"طائر النحس وأشياء أخرى"، و"الأريكة"، و"قصة حب"، و"أريد كِلية"، و"حرب"، و"نسخة أصليّة"، وفيها تحضر الهشاشة والضعف ووهن المعايير والبنى بأكثر من صيغة وطريقة.

فهناك حالة الهشاشة الداخلية للمرء أمام مصائب الواقع واختلاف الظروف وتغير الأمكنة، وحالة التداعي الاجتماعي، وهشاشة المعايير القيمية السائدة، ثم تضعضع البنى الاجتماعية والسياسية ومنظومة القيم والمثل المفترضة.

يمكن الوقوف على مفارقات ترصدها القاصة، تدين من خلالها العديد من الممارسات التي تقترف في المجتمع تحت مزاعم شتى

هشاشة داخلية
تمثل العباسي لجانب الوهن الداخلي وهشاشة المرء أمام نفسه وواقعه في قصّة "حين رأيت جثّتها" حيث يكون بطل القصة غسان مغتربا في مدينة "ق" للعمل، يبحث عن ذاته ويحاول تأمين مستقبله، ويعاني أشد المعاناة جراء ما يعانيه من اغتراب، فينعكس ذلك على أدائه الاجتماعي.

يتقوقع الرجل على ذاته، ويصل إلى درجة خطيرة من الهشاشة، فيجد نفسه متعلقا بخيال امرأة في شقّة مقابلة، وتدور رحى صراع بين الإقبال والإدبار، فيقوي عزيمته ويقرر الاقتراب من ذاك الخيال، لكنه يصدَم بأنّه ليس إلا ثوبا معلقا على حبل غسيل. وفي طريقه لمعرفة ذلك يقابل أناسا غرباء مثله، تجمع بينهم هشاشة اللغة والمدينة والغربة والضياع.

تحضر لدى صاحبة "أسرار الريح" صورة أخرى للهشاشة الداخلية والواقعية في قصة "أونلاين" إذ يجد بطلها -مازن- نفسه مُحاصرا بعالم افتراضي ومسكونا به، يقضي سنوات وهو يتعامل مع الحواسيب والتكنولوجيا ويستخدمها بطريقة غريبة، فيصل إلى درجة من الاكتفاء في عالمه المفترض بعيدا عن ضغط الواقع، لكنه حين يقرر الخروج إلى العالم الحقيقي ويتعلق بامرأة يهيم بها، تراه ينهار أمام المفاجأة حين تبلغه المرأة بأنّها لن تستطيع لقاءه وأنها متزوجة، فيضيع بين عالمين ويظل تائها في حيرته وصدمته.

بالانتقال من الهشاشة الداخلية إلى الهشاشة المجتمعية، يمكن الوقوف على مفارقات ترصدها القاصة وتدين من خلالها العديد من الممارسات التي تقترف في المجتمع تحت مزاعم شتى، ففي قصة "زوج أقراط" تصف العباسي بؤس الواقع الاجتماعي لشريحة من الناس، حيث امرأة تقتل زوجها الذي كان يخونها مع أختها، وتكون المفاجأة صادمة أيضا حين اكتشافها لذلك.

تشير القاصة إلى الانحلال القيمي، ولحظة الانتقام القاهرة التي تودي بأسَر بأكملها من أجل نزوة عابرة أو استغلال دنيء. وهنا تعاين الكاتبة أيضا واقع السجون بالنسبة للمرأة من جهة، وواقع الجنايات والخيانات المرتكبة في الخفاء من جهة أخرى.

تنوّع صاحبة "أرشيف الأعمى" في ضمائر السرد المستخدمة في مجموعتها، مع أن الغالب على القص هو ضمير المتكلم الكلي المعرفة والعلم، تختار نهايات مفجعة تخلق لدى القارئ دهشة مفترضة، كما أنها تنثر الصور الشاعرية بين ثنايا قصصها

مواجهة بنى هشّة
قريبا من أجواء الخيانة الزوجية العاكسة لبنية أسرية هشة تؤسس لهشاشة اجتماعية كبرى، تصوّر الكاتبة في قصتها "أريد كِلية" حكاية امرأة تعاني من غسل كليتها، وتحتاج لزرع كلية، وحين تطلب من زوجها إسعافها والتبرع لها بكليته، يتهرب ويشير عليها بإمكانية شراء كلية من أحد المتبرّعين في الهند مثلا.

يسافر برفقتها، وحين الوصول يجتاحه مرض يقعده عن الحركة، فتضعه زوجته في المستشفى وتتخلص من أعبائه، لتجد نفسها سليمة لا تعاني أي شيء، تمارس مغامرات لا تخطر لها على بال، تبرأ بالتحرر من ربقة زوج يهينها بإهماله لها وانشغاله الدائم عنها، وكأنّ بحثها عن كلية لم يكن إلّا بحثاً عن حرّيّتها.

أما عن الحديث عن الفساد المستشري بين أجهزة الدولة الذي يخرب النفوس ويضعف بنيان المجتمع والدولة، ويسرب الهشاشة إلى مختلف المجالات، فإن قصة "طائر النحس وأشياء أخرى" تكون خير مثال على ذلك، إذ إن شخصيّتها الرئيسية في القصّة -هيثم- شاب جامعي في منتصف العقد الثالث من العمر، ينتظر الوظيفة المرتقبة، وينتقل من اختبار إلى آخر، تُخترَع له الأسباب التي تمنعه من النجاح في المسابقة من قبل المشرفين الممتحنين.

ورغم أنه يدرك أن الحل في دفع رشى طائلة لا يستطيع دفعها، فإنه يظل متأملا خلاصا بطريقة ما، وبينما هو في انتظاره تتركه حبيبته، ولا يقبل في الخدمة العسكرية لأن قدمه مسطّحة، فيجد نفسه يتشوّه بحكم واقع مشوّه، يفقد الحب والأمان والطمأنينة والثقة في النفس، مما قد يدفعه إلى سَلْك سبيل آخر، قد يكون الإرهاب المُحتمَل أحد السبل في الأفق.

تتجلى ذروة الإيلام لدى العباسي في قصّتها "حرب" -التي فازت بمسابقة المعهد الدانماركي بدمشق- والتي تصف حال "ميم" وهو محارب في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، مصابا يبحث عن طوق نجاة، يلوذ بالخرائب، يغمى عليه، ينتظر فرجا شبه مستحيل، يتفاجأ بامرأة تنهال عليه ضربا بعد أن تقيده وكأنها تنتقم لكل مَن قتلوا في حرب مجنونة دائرة.

هنا تجد القاصة نفسها أمام هشاشة من نوع مختلف، يتمازج الضعف النفسي مع الانهيار الجسدي، ويتداخلان مع رغبة الانتقام المدمرة لدى الآخر، ويكون مسرح الجريمة السابقة هو مسرح القصاص من آخر مختلف في حرب تعمي الأبصار والبصائر.

تنوّع صاحبة "أرشيف الأعمى" في ضمائر السرد المستخدمة في مجموعتها، مع أن الغالب على القص هو ضمير المتكلم الكلي المعرفة والعلم، تختار نهايات مفجعة تخلق لدى القارئ دهشة مفترضة، كما أنها تنثر الصور الشاعرية بين ثنايا قصصها، بحيث تعتمد في بعض المقاطع اللغة الشعرية، حتى وإن كان في تعبيرها عن الأسى والمعاناة وجوانب من الهدر المتواصل.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات