هيثم حسين
 
في واقع الحرب والدمار والقتل والثورة غير المنجزة في سوريا يرى كثيرون أن الأدب والثقافة والفنون ترف لمن يعيشون خارج الأتون وينظرون إلى الواقع بعين غير مبصرة، فلا حديث عن جماليات الإبداع وسط كل هذا القبح والعبث بالإنسان، لكن الثقافة بفروعها تبقى فعلا إنسانيا ضروريا تحت أي ظرف، وفي كل الأوقات.

في نظر الكثيرين لا يمكن الرهان على أي دور للثقافة في مجتمع بات يفتقر إلى أبسط ضرورات العيش من مأكل وملبس ومأوى، والانكباب على الإصدارات الأدبية والفنية الجديدة لا قيمة له في ظل دورات العنف المتتالية، كما أن التعويل على دور ما للأدب والفن في التهيئة لأي تغيير منشود أو المساهمة فيه يبقى غير مطلوب.

 مروان علي: الرهان على الثقافة والأدب
هو رهان على من بقي في الداخل
(الجزيرة)

رهان خاسر
ويتساءل الشاعر السوري مروان علي عن كيفية الحديث والتعويل على دور للأدب لشعب ظل عقودا طويلة محروما من كل شيء، وبالنسبة له لا يستطيع جائع يرتجف من البرد أن يقرأ روايات وقصائد وقصصا عن الثورة والأمل والحرية وسوريا الجديدة، وهل يستطيع شخص فقد أسرته وبيته ويعيش تحت قصف البراميل المتفجرة وصواريخ سكود أن يفعل ذلك؟ كما يقول.

ويشيرعلي إلى أن"الرهان على دور ما للأديب والمثقف السوري هو رهان فقط على من ظل هناك -في سوريا- ويشارك الناس الحرمان والاعتقال والجوع والبرد وحتى الموت، ليكتب بصدق عن ثورة الحرية، ثورة كل السوريين، أجمل القصائد هناك وأجمل الروايات أيضا".

الثورة السورية كانت في البداية ثورة كلمة أذكاها الفنانون والأدباء بما كتبوا عن الظلم والاستبداد، من مصطفى خليفة إلى ياسين الحاج صالح ونوري الجراح وفرج بيرقدار وحسن الخيّر وأيمن العتوم، وأحياها آخرون بأصواتهم وقصائدهم وريشتهم كسميح شقير وإبراهيم قاشوش ومي سكاف وعلي فرزات وغيرهم.

لا يؤمن علي بما قدم حتى الآن، ويعتبر أن ما كتب عن الثورة من روايات وقصائد ودراسات لم يقدم شيئا مهما، لكنه يعتقد أنه "بعد انتصار الثورة سيتحول كل هذا القلق والخوف على سوريا إلى نصوص ستضيف كثيرا إلى المنجز الإبداعي السوري، وبالتأكيد سيكتب الكثير عن ثورة السوريين وبأقلامهم عن ثورة حاربها العالم وانتصرت لأنها ثورة الحرية".

يغطي الواقع المرير في سوريا على كل ما عداه، لكن كبار الكتاب والمبدعين السوريين والمثقفين الشباب، خاصة السينمائيين ومنتجي الأفلام الوثائقية، كانت لهم كلمة في شد أزر الثورة وردفها إعلاميا، وقد أصدر عدد من الكتاب السوريين مؤلفات جديدة تقارب الراهن السوري بطريقة أو أخرى، أو تتناول ممهدات الصراع الدموي العنيف.

أحمد عمر: الثقافة فعل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنه مهما كانت الشدائد (الجزيرة)

الثقافة والتطهير
ويرى القاص السوري أحمد عمر أن الثقافة فعل ضرورة، وأنها دم يجري في جسد الحياة، ولا يمكن الاستغناء عن هذا الفعل مهما كانت الشدائد، أما الشاعر والروائي عمر قدّور فيؤكد أن للثقافة دائما دورا في التغيير، وأن ما دفع السوريين إلى الثورة ليس غائبا عن التراكم الثقافي العام في سوريا وفي العالم ككل.

ولا يخفي قدّور ما تعانيه الثقافة السورية راهنا من نزوح وتشريد، ويجزم "بأن الحرمان في بلداننا ليس طارئا، مع ذلك الثقافة السورية بقيت صامدة، ولكن الآن بوسعنا القول إنه، مع ازدهارها وازدياد الفضول الخارجي تجاهها، أصبحت ثقافة نازحة أسوة بموجة النزوح البشري".

وينطلق الكاتب السوري من مقولة غارسيا ماركيز "إن مهمة الكاتب أن يكتب أدبا جيدا". ليؤكد  ضرورة الإيمان بدور الأدب بعيدا عن حركية الواقع وحرج اللحظة، دون أن يغفل الوقوع تحت تأثير الشأن العام الضاغط، ويجد أنه لم يحن الوقت لتقييم ما يكتب الآن، غير أنه يميل إلى القول إننا في لحظة تأسيسية مؤلمة، وربما ستشكل انعطافة كبرى للثقافة السورية، فكل هذا الدم لا بد أن يضع بصمته على الثقافة.

الواقع متحرك بشكل لا يدع فرصة للتأمل، وقد يسبق الثقافة في مناحٍ عديدة -كما يرى قدّور- إلا أن ذلك لا يجرد الأخيرة من مفاعيلها البطيئة والراسخة، ويذكر أنه يبدو له أن السؤال هنا ينبغي أن يكون أكثر عمومية ويتجاوز حرج اللحظة.

عبدالله مكسور: النظر إلى المشهد السوري والعربي المتردي يوحي للوهلة الأولى
بأن لا مكان للأدب والثقافة
(الجزيرة)

ضفاف الألغام
أما الروائي السوري عبدالله مكسور فيعتقد أنه لابد من الإقرار بداية بأن الأدب في العصور المتأخرة له جمهوره الخاص والمحدود، ولا سيما إذا ما طالعتنا تقارير التنمية والمعرفة العربية في هذا الصدد، ولكن هذا لا يعني أن ننكر أي دور للأدب في وضع إرهاصات حقيقية تدفع في مرحلة لاحقة للتغيير أو إشعال الشرارة الأولى التي تؤدي بالضرورة إلى الانفجار الكلي.

ويؤكد، لكن إذا نظرنا بشكل عام إلى الواقع العربي المتردي في البلدان التي عصفت بها رياح التغيير، فأول ما يطالعنا هو صورة الفوضى التي تغلب على المشهد بجوانبه المختلفة فنقول بداية أن لا مكان للأدب هنا، لأن الشعر لا يحيي الإنسان، بل الخبز.

 ولكن السير على ضفاف الألغام ضروري، فالكتابة فعل جنوني في الحرب لها إيجابياتها ولها سلبياتها، قد لا توثق حقيقة تاريخية، ولكنها بالضرورة تقدم جانبا من الحقيقة التي يشعر بها المبدع أو التي يريد إيصالها إلى الآخر أيا كانت اتجاهاته.

وبالنسبة للمشهد الثقافي الجديد الذي سيتمخض بعد معارك الحرب المستعرة من كل الأطراف، فيعتقد مكسور بأنه لا بد أن يحمل في طياته شكلا جديدا بعيدا عن النمطية، وينوه بأنه لا يقصد الشكل، بل البنية والتعاطي مع المسلمات والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية.

المصدر : الجزيرة