أمير تاج السر
 
لعل موت الرسام والكاتب والشاعر السوداني محمد حسين بهنس، منذ أسبوعين في أحد ميادين القاهرة الشهيرة، وبطريقة مؤسفة ومؤلمة حقا، يعيد إلى الأذهان تلك الأسئلة القديمة عن ماهية الإبداع، وهل هو وظيفة حقا تستحق أن تمنح ما يمنح للوظائف عادة، من راتب ثابت وحياة كريمة وتأمين صحي ومعاش تقاعدي، إن اختل المبدع نفسيا لأي ظرف أو عجز عن مواصلة إبداعه؟.

في الحقيقة لا أود الخوض في ضروب الإبداع المختلفة، وهي كثيرة وتشتمل على كل ما ينتجه الإنسان من ذهنه ومخيلته، إن أصيب باللوثة أو الجرثومة التي تسمى موهبة، لكني سأكتفي بمجال الكتابة، باعتبار أن بهنس كان كاتبا أيضا وله رواية وحيدة اسمها "راحيل" لم أطلع عليها حقيقة، وإن كنت قد سمعت عنها الكثير حتى قبل هذه الفاجعة.

حتى يصبح الإبداع إبداعا حقيقيا وتنويريا كما أردد دائما، يجب أن يكون المبدع تحت حماية ما إن لم يستطع أن يعمل تحت أي ظرف أو اضطر لترك وظيفته التي تحميه لأي سبب

تعريفي الشخصي للكتابة سواء كانت نثرا أو شعرا، خاصة في عالمنا العربي، هي أنها إضافة شاقة للحياة، يضطلع بها البعض من دون الآخرين وتضيف إلى أعباء الحياة كثيرا، فالكاتب يكتشف تلك المعضلة باكرا، ربما في مراحله التعليمية الأولى وخاصة في حصص الإنشاء وجرائد الحائط المدرسية حين يكتب قصيدة أو موضوعا مميزا، ودائما ما يوجد مدرس للغة العربية يهتم بتلك المواضيع ويعرضها للتلاميذ الآخرين كنماذج يجب دراستها واتباعها.

هو يفعل ما يظنه تشجيعا للموهبة لتنمو وتحلق بعيدا في المستقبل، بدون أن يشعر يسهل الضياع لطالب ربما كان سيتخلى عن تلك المشقة الاستثنائية لو لم يتم  الإطراء، وبالتالي يصبح المستقبل موعودا بكاتب يتعلم ليحصل على وظيفة وأسرة وحياة كريمة أسوة بغير الكتاب من زملائه، وأيضا يكتب لأن الكتابة تسكن الآن دمه ولن تتركه في أي يوم من الأيام.

هو يحاول السير طبيعيا، وتجعل الكتابة سيره مترنحا إلى حد ما، ولأنه لا مجال في وطننا العربي ليصبح الكاتب موظفا في درجة وظيفية اسمها درجة الكتابة كما يحدث في الغرب، حين ينتج أحدهم عملا إبداعيا مقدرا يكفيه عائده المادي ليعيش زمنا طويلا بلا مشقة.

يظل هذا التمزق ويزداد العبء بما قد يحصل عليه من شهرة وقراء بلا عائد مادي، وتتراكم الأسئلة اليومية المحبطة: ما جدوى الكتابة إذن؟ بالطبع لا إجابة متوفرة ولا حلا قد يلوح في أي أفق تختاره مخيلة الكاتب لتتأرجح فيه.

إذن على الكاتب أن يعمل موظفا ما دام قادرا على ذلك، أن ينسى أنه مبدع تميز عن غيره من زملاء العمل بلوثة الإبداع الشاقة، أن يوقع على دفتر الحضور والانصراف، يقضي ساعات العمل بعيدا عن أي تطرف إبداعي ويتقبل ملاحظات رئيسه بسعة صدر، لأن الوظيفة مهما كانت بعيدة عن الطموح هي في النهاية ما يستر الحال في الحياة.

وأذكر أن بعض الهيئات الحكومية في البلاد العربية -وفي بادرات جيدة- كانت توظف كتابا وشعراء، في وظائف اسمية من أجل أن يعيشوا فقط عليهم الحضور والتوقيع وتسيير بعض الأشغال البسيطة، وحتى هذه رفضها البعض بحجة أنهم مبدعون وليسوا موظفين، فتركوها للتسكع في المقاهي وممارسة الإبداع الحر كما يتصورونه.

بينما استطاع البعض أن يتغلبوا على التطرف في التفكير وعاشوا وكتبوا في نفس الوقت. وقد ذكر المرحوم الطيب صالح مرة في حوار، أنه كان يعمل حتى سن التقاعد وحتى بعد سن التقاعد لأن الوظيفة هي الأساس.

لكن ماذا لو كان المبدع أو الكاتب غير قادر على العمل بسبب ظروف نفسية أو عجز جسدي؟ هنا تبدأ المشكلة ويطرح السؤال الكبير: من يهتم بمبدع كهذا؟ من يرصف له دروب حياته التي اختلفت رغما عنه ويقيه التشرد والبؤس والموت وحيدا ويائسا كما حدث للفنان بهنس؟

 كتب المئات عن بهنس بعد رحيله الفاجع، كتب عنه مبدعون يخافون مصيره إن جار عليهم الزمن، وأيضا مبدعون بعيدون جدا عن عالمه ويعيشون حيوات مترفة، ولم يكن ليهمهم كثيرا إن شاهدوه حيا في أيام تشرده ونومه في العراء

أعتقد أنه هنا يأتي واجب الدولة التي ينتمي إليها المبدع، أن يصبح لوزارات الثقافة دور إنساني، بعيدا عن تلك الأدوار الروتينية التي لا تضيف للثقافة كثيرا أو قليلا: مهرجانات مكررة، اجتماعات بلا نتائج، هكذا.. أن تفعّل أدوار اتحادات الكتاب المنتشرة في كل بلد، وتمنح لها ميزانيات معينة لحماية المبدعين من التشرد والبؤس.

أن تصبح السفارات في الخارج، صدورا للاحتضان في زمن كثرت فيه الهجرات، ومحاولات اللجوء لما يظنه المبدع حياة أفضل، لا مضادات صادة، وأن تصبح الأوطان في النهاية، أوطانا حقيقية واسعة الصدر تضم كل من انتمى لترابها بطيب خاطر.

وحتى يصبح الإبداع إبداعا حقيقيا وتنويريا كما أردد دائما، يجب أن يكون المبدع تحت حماية ما إن لم يستطع أن يعمل تحت أي ظرف، أو اضطر لترك وظيفته التي تحميه، لأي سبب.

لقد كتب عن بهنس المئات بعد رحيله الفاجع، كتب عنه مبدعون يخافون مصيره إن جار عليهم الزمن، وأيضا مبدعون بعيدون جدا عن عالمه ويعيشون حيوات مترفة ولم يكن ليهمهم كثيرا إن شاهدوه حيا في أيام تشرده ونومه في العراء.

وربما لن يقتربوا منه حتى أو يسألوا عن هويته، لكن المحصلة في النهاية رسالة الإحباط الكبيرة، التي هي ضد فعل الإبداع قد كتبت بالفعل، كتبها بهنس في يوم صقيعي وفي بلد لم يكن بلده، ويمكن أن يكتب مثلها مبدع آخر في يوم آخر.

كانت الرسالة موجهة لكل من امتلك العبء الإضافي بجانب أعباء الحياة الأخرى، وأعني من أمسك بلوثة الإبداع وما زال ممسكا بها ويقدسها إلى أبعد حد، وأيضا للصمت الذي رافق مأساته حتى اكتملت، ولم يتحول إلى ثرثرة إلا بعد أن ضاع.
_______________
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة