أمير العمري

منذ عرضه العالمي الأول في قسم "نظرة ما" بمهرجان "كان" السينمائي في مايو/أيار الماضي، وفيلم "عمر" للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، ينتقل من مهرجان إلى آخر ومن نجاح إلى نجاح.

والأمر لا يتعلق فقط بما يفوز به الفيلم من جوائز، فهي رغم أهميتها بالنسبة للسينمائي، تأتي في المرتبة التالية لما يحصده الفيلم من نجاح من جانب الجمهور والنقاد، وهو نجاح واضح في العروض الجماهيرية المختلفة للفيلم في كل المهرجانات السينمائية التي عرض فيها وأحدثها مهرجان دبي، رغم ما أثير من اعتراض على بعض ما يتضمنه الفيلم من علاقات وشخصيات لدى بعض الفلسطينيين عند عرضه في رام الله.

أخرج هاني أبو أسعد قبل "عمر" فيلمين هما "زواج رنا" (2002) و"الجنة الآن" (2006). لم يحقق الأول نجاحا ملحوظا، وإن اعتبر تجربة أولى طموحة لتقديم فيلم عن "المأزق" الفلسطيني القائم، بينما حقق الفيلم الثاني الكثير من النجاح، ليس لتميز مستواه الفني فقط، بل لأهمية موضوعه السياسي وانشغال الرأي العام به في تلك الفترة.

ويتعلق الموضوع بقيام بعض الشباب الفلسطيني وسط غمرة اليأس، بعمليات "انتحارية" (أو استشهادية) ضد الإسرائيليين، ومحاولة الفيلم تقديم تحليل سياسي ونفساني لما يدفع هؤلاء إلى القيام بمثل هذه الهجمات التي يضحّون أثناءها بحياتهم دون أن تحقق الكثير سياسيا.

أما فيلم "عمر" فقد حصد نجاحا كبيرا منذ عرضه في مهرجان كان. والأسباب تكمن داخل الفيلم نفسه وليس خارجه، أي أنها لا ترتبط بالظروف السياسية التي عاصرت عرضه، وهي تعود في رأيي إلى العوامل التالية:

أولا: نجاح هاني أبو أسعد في كتابة سيناريو ثري، لا يروي قصة "بسيطة" (بالمعنى السلبي للكلمة) بل يتمتع بحبكة "مركبة".. أي أكثر تعقيدا وتشابكا، حبكة متعددة المستويات والشخصيات، ولكن مع وجود شخصية رئيسية تبقى دائما في بؤرة الأحداث وتحظى بتركيز الفيلم دراميا هي شخصية "عمر" التي يؤديها ببراعة لاشك فيها آدم بكري.

أهمية الفيلم-سياسيا ودراميا- أنه يرجع كل تلك التعقيدات التي دمرت العلاقات بين البشر، إلى واقع الاحتلال، وهي رسالة مبطنة لا تحتاج إلى التعبير المباشر

يبرز تعدد المستويات -وهي القيمة التي تجعل من أي عمل فني عملا متميزا له رونقه وسحره ودلالاته وتعدد احتمالات قراءته أيضا- في الانتقال من السياسي (الصراع القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين) إلى الاجتماعي الرومانسي (قصة الحب بين عمر ونادية)

كما ينتقل من النفسي (كيف يسعى الإسرائيليون إلى تدمير معنويات شاب فلسطيني واستغلال علاقته العاطفية لدفعه إلى التعاون معهم كمرشد على زملائه) إلى الإنساني (الذي يتمثل في رصد نمو وعي عمر، وأن جوهر مشكلته الشخصية بعد نهاية قصة حبه نهاية مأساوية يكمن في "الاحتلال"، أي في وجود ذلك الآخر المحتل، الذي لا يقيم وزنا للمشاعر ولا للاعتبارات الإنسانية أو لدوافع الفرد، بل يستخدم الآخر بكل قسوة لتحقيق مآربه الخبيثة).

ثانيا: رغم تعدد المستويات الدرامية في الفيلم، إلا أن المخرج يستخدم أسلوبا سينمائيا موحدا يبدو من السطح مشابها لأسلوب فيلم الإثارة البوليسية، أي الفيلم الذي يمتلىء عادة بالمطاردات والتعقب والمشاهد المثيرة التي تجذب المشاهدين بتدفقها وسرعة إيقاعها، مع موازاتها بالجانب الرومانسي الناعم الذي يتمثل في قصة الحب البريئة التي تتحول إلى شك، وشك متبادل، ثم بما تنتهي إليه من تمزق علاقة الأصدقاء الثلاثة عمر وطارق وأمجد.

وهو المصير الذي يتعامل معه هاني أبو أسعد (من ناحية السرد والإخراج) بدقة دون أن يهمل شيئا، ومن خلال إيقاع سريع تتعاقب فيه المشاهد دون أن يختلط الأمر على المتفرج، بشكل جذاب ومن خلال المنطق الداخلي للأحداث نفسها دون إقحام، مع تجنب توجيه رسالة سياسية مباشرة عالية النبرة كما اعتدنا أن نرى في الكثير من الأفلام التي تصنع عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

هذا فيلم فلسطيني من تلك الأفلام الرصينة التي تخاطب العقلية الغربية ببراعة، ومن خلال شكل فني وطريقة مألوفة في السرد الدرامي والبناء، تهضم منجزات السينما السياسية الحديثة، مع تقديم نماذج "واقعية" للطرف الآخر -الإسرائيلي- ودوافعه التي قد تبدو أيضا "مفهومة" من طرف المشاهدين في الغرب.

غير أن ما تؤدي إليه سياسة التبرير الإسرائيلية -كما نرى في الفيلم- تقود إلى كل التجاوزات غير الأخلاقية بل وغير الإنسانية في التعامل مع الخصم، فهم لا يقتلونه، بل يسعون إلى تجريده من إنسانيته.

هناك أولا ما يتعرض له عمر من تعذيب ثم استغلال نقاط الضعف البشرية الموجودة لدى كل إنسان، وهي نقطة ضعف ترتبط هنا بالحب والرغبة في الزواج من تلك الفتاة التي يحبها (نادية شقيقة صديقه طارق)، وذلك من أجل التلاعب بمشاعره وتحريضه ضد أصدقائه بل وضد حبيبته أيضا.

ويصبح المشهد الأخير في الفيلم -الذي نرى فيه عمر ينجح في خداع ضابط الاستخبارات الداخلية الإسرائيلي ويحصل منه على سلاحه ليقتله به- مقبولا أيضا من وجهة النظر "الغربية"، رغم أن المشهد نفسه قد يكون رمزيا أكثر منه واقعيا، ربما كما كان مشهد تفجير الدبابة الإسرائيلية في فيلم إيليا سليمان "يد إلهية" مع الفارق في الأسلوب بين الفيلمين.

"عمر" فيلم عن كيف يفسد الاحتلال براءة الحب ويقضي عليه، وكيف يؤدي إلى استمرار دائرة العنف والعنف المضاد، دون أن يبدو أن هناك مخرجا من تلك الدائرة الجهنمية..على الأقل، في الوقت الحالي!

ثالثا: اختيار مواقع التصوير في الضفة الغربية يكشف للمشاهد بشكل بديع، أرض فلسطين، طبيعتها ومدنها الصغيرة وشوارعها، والأهم أناسها وكيف يعيشون، وبتركيز خاص على "الجدار الفاصل" الذي يتسلقه عمر في بداية الفيلم وفيما بعد بقوة ونشاط وثبات للوصول إلى لقاء حبيبته في الجانب الآخر من الجدار.. ولكن قوة عمر تخور وتضعف عند نهاية الفيلم فيفشل في تسلق الجدار عدة مرات بعد كل ما جرى من أحداث أنهكته ودمرت معنوياته.

مع قسوة الأحداث وتعاقبها يصبح الكل يشكك في الكل، فهناك داخل "شلة" الأصدقاء، "خائن" يبلغ الإسرائيليين بما يجري، ويطلق ضابط الاستخبارات الإسرائيلي (رامي) سراح "عمر" لكي يعثر لهم على طارق الذي يعتقدون أنه وراء قتل جندي إسرائيلي، لكن عمر الآن أصبح هدفا للشك، وهو يريد أن يعثر على الخائن الحقيقي وسط أصدقائه.

أجواء الشك والشك المتبادل بين الجميع مألوفة في الدراما السينمائية العالمية، ولذلك يمكن للمشاهدين التعرف على مأساة البطل، اللابطل دون مشقة. ولا يصبح قتل الضابط الإسرائيلي مبررا في النهاية بقدر ما يصبح مفهوما، فأهمية الفيلم -سياسيا ودراميا- أنه يرجع كل تلك التعقيدات التي دمرت العلاقات بين البشر، إلى واقع الاحتلال، وهي رسالة مبطنة لا تحتاج إلى التعبير المباشر.

رابعا: رغم موضوع فيلمه المليء بالتوتر والقلق والتشكك والمطاردات ومشاهد التعذيب والعنف، ينجح هاني أبو أسعد في إضفاء طابع فكاهي على الكثير من المشاهد، من خلال تلك النوادر والنكات التي تبدو أيضا طبيعية في سياق حوار الفيلم، وهو بلاشك من أفضل ما كتب من حوار في السينما الفلسطينية.

هذه اللحظات التي يشيع فيها المرح بين الأصدقاء في النصف الأول من الفيلم، لا تلعب فقط دورا في "تخفيف" الطابع الصارم القاسي للموضوع، بل تصبح أساسية من الناحية الدرامية، من أجل تجسيد ما حدث من تدهور تدريجي في الروح المعنوية للأصدقاء الثلاثة، وبخاصة عمر الذي أصبح يشك في صديقيه كما أصبح هو نفسه هدفا للشك من جانب نادية.

و"عمر" بهذا المعنى فيلم عن كيف يفسد الاحتلال براءة الحب ويقضي عليه، وكيف يؤدي إلى استمرار دائرة العنف والعنف المضاد دون أن يبدو أن هناك مخرجا من تلك الدائرة الجهنمية..على الأقل، في الوقت الحالي!
_____________
ناقد سينيمائي مصري

المصدر : الجزيرة