غلاف المجموعة القصصية "بيت جبل عمّان" للفلسطيني نديم عبد الهادي (الجزيرة)
 
صدرت حديثا مجموعة "بيت جبل عمّان" القصصية للكاتب الفلسطيني الشاب نديم عبد الهادي عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع بالتعاون مع مؤسسة القطان، وفازت المجموعة القصصية مؤخرا بجائزة مؤسسة القطان في مجال القصة القصيرة.

وتضم المجموعة 12 قصة تدور حول العمل والاغتراب، فهي تسرد في أربع قصص حكايات عن المغتربين الفلسطينيين في الدمام بالسعودية، وفي ثلاث قصص أخرى تروي حكايات عن المغتربين الهنود والفلبينيين والباكستانيين، وأخيرا تحكي في قصتين عن المغتربين المصريين والعراقيين في عمّان.

وفي المجموعة أيضا، قصة تحكي عن شاب يهجس بعبد الناصر، ويسأل كبار السن "هل أحببتم
عبد الناصر؟" فيدوّخهم السؤال، وأخرى حملت المجموعة اسمها "بيت جبل عمّان" عن الحكايات المضحكة المحزنة لأخ وأخته العجوزين مع جيرانهم الشبان.

تتميز المجموعة بإعادة الاعتبار للقص الواقعي كما عرف عند كبار كتاب القصة القصيرة، فبين جنباتها تعيش عدة أسر وتتحرك عشرات الشخصيات الحقيقية من لحم ودم وكلمات ومشاعر

دهشة وفضول
وقال بيان اللجنة المحكّمة للجائزة، والتي ضمت كلا من الكتّاب محمود شقير ويوسف ضمرة وسليمان الناطور وحسونة المصباحي إن "هذه المجموعة تعد مثالا قويا على نضج التكنيك الفني والبنية السردية بعناصرها كلها، وإن صاحبها قاص موهوب مثير للاهتمام وعارف بفنيات القصة الحديثة، وله طريقة مثيرة لجعل القارئ دائم الدهشة والفضول في جميع القصص التي احتوت عليها مجموعته".

وأشار البيان إلى أن المكان في قصص عبد الهادي "ينتزع لنفسه حيزا كبيرا في تضافر مع عناصر السرد الأخرى، بحيث لا يغدو مجرد اسم أو موقع، وإنما هو تكوين موجود في النفس البشرية، مع ضرورة الإشارة إلى مسحة السخرية التي كسا بها الكاتب شخوصه وحكاياتها، وهو بهذه المسحة الشاعرية يواجه الحياة كما فعل كبار الكتّاب من قبل، وكما سيفعلون دائما".

وتتميز المجموعة بإعادة الاعتبار للقص الواقعي، كما عرف عند كبار كتاب القصة القصيرة، فبين جنباتها تعيش عدة أسر، وتتحرك عشرات الشخصيات الحقيقية من لحم ودم وكلمات ومشاعر.

وتنظم كل هذا الحشد تجارب تدور حول الاغتراب، ففي الشق الفلسطيني من المجموعة نرى أسرة موزعة بين عواصم العالم والأب، يفتح لها غرفة عمليات ويتابع ويدير شؤونها من آخر الدنيا! ونرى معلما قديما متقاعدا يصارع فكرة زوجته عن الحسد ويقاوم الرضوخ لها ويصر على شراء سيارة جديدة تفيده في عمله كسائق باص طالبات.

وهناك مدير مبيعات تراكمت فوق مكتبه الملفات والأعمال والواجبات الأسرية حتى ظهر له قرينه القرد في الشارع والسيارة والمكتب واهتزت أركان حياته. أما "أبو فايز" مدير شؤون الموظفين- الذي قررت الشركة الاستغناء عنه- فله قصة طويلة تروي المجموعة فصولها كصراع بين سيئين، لا خيّر بينهما.

تعزف القصص معا سمفونية الغربة، وتعرض رقصة فنية جماعية، تؤكد أن فن القصة القصيرة 
ما زال قادرا على التعبير عن مشاكل العصر الحديث

نبض الواقع
يلاحظ في المجموعة ظهور بيئة الشركات، ولعل مرجع ذلك لأن كاتبها مهندس تخرج في الجامعة الأردنية عام 2006، وهو يمارس عمله بين المكاتب والمواقع في الدمام وعمان منذ ذلك التاريخ.

ومن تلك المواقع تخرج شخصيات، مثل "سونيل" العامل الهندي المتخصص في النجارة، لكن الشركة لا تحتاج نجارا فتستخدمه في كل شيء إلا النجارة! و"مديك" الفلبيني السكير وسائق الكرين الآيل للسقوط. و"شاندرن" الساعي الذي يحاول أن ينجب في الإجازات كل سنة منذ سبع سنين، ولا يفقد الأمل.

ومن مكاتب عمّان يخرج الرجل العراقي الذي يحب الفخر، والساعي المصري الذي لم يزر أهله منذ سبع سنين، وينتظر أن يجمع ما يكفي من المال ليعود.

حكايات عن كل أولئك الناس ترويها المجموعة التي تمثل كل قصة فيها لبنة في بناء متكامل. وترن كل قصة بجوار أختها، وتعزف القصص معا سمفونية الغربة، وتعرض رقصة فنية جماعية تؤكد أن فن القصة القصيرة لم يزل قادرا على التعبير عن مشاكل العصر الحديث.

كاتب المجموعة الشاب يحاور نجيب محفوظ في طول قصصه واكتنازها بالشخصيات من جهة، ويخفف من وطأة محفوظ بحساسية أصلان ورهافته من جهة أخرى، وكأني به ينظر لأهالي دبلن (للكاتب الأيرلندي جيمس جويس) في اكتمالها كمجموعة قصصية لا تقرأ إلا مجتمعة، ثم يستلهم يوسف إدريس في أن كل قصة هي مختبر علمي لفكرة بعينها.

وكأن الكاتب الشاب يردد مع حنا مينا أن المتعة بلا فائدة، أو الفائدة بلا متعة ليست فنا، وأن الفن هو ما لامس الواقع وأمتع وأفاد.

المصدر : الجزيرة