من موقع تصوير فيلم "وجه الرماد" الذي يجري إنتاجه في كردستان العراق (الجزيرة نت)

ناظم الكاكئي-السليمانية

تعيش قرية كردية واقعة قرب الحدود العراقية الإيرانية أزمة حقيقية تستمر ليومين متواصلين، بعد أن يصل جثمان أحد أبناء القرية من جبهة الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. ويحتشد الأهالي لمجرد سماعهم بخبر وصول جثمان من جبهة الحرب، لكن ما واجههم أمر لم يضعه أحد في الحسبان.

المعضلة أنه لا أحد من القرية تعرف على هوية القتيل بسبب الحروق الشديدة والتشوهات التي أصابت وجه الشاب وجسمه. ولم يكن الخلاف على اسم الشخص، بل كانت المشكلة في الطريقة التي سيتم بها الدفن، ففي هذه القرية يعيش مسلمون ومسيحيون ويزيديون، ولكل طريقته في دفن الموتى كما توارثوها عن الأقدمين وحسب تقاليد كل ديانة.

هذا ما يتناوله الفيلم الكردي "وجه الرماد" الذي دخلت عملية إنتاجه مراحلها الأخيرة، ويجري تصوير مشاهده في منطقة جبلية بكردستان العراق.

مشهد من فيلم "وجه الرماد" الذي تقدر ميزانيته بنحو 330 ألف دولار (الجزيرة نت)

كوميديا سوداء
في الوقت الذي بقيت فيه الجثة مسجاة، تواصلت الحوارات والنقاشات، ويقول مخرج الفيلم شياخوان إدريس إن "الكوميديا السوداء تسجل حضورا كبيرا في الكثير من مشاهد الفيلم"، إذ لم يكن الأمر سهلا على أهل القرية جميعا وهم يحيطون بجسد لا يعرفون من صاحبه أولا، وبالتالي لا يعرفون إلى أي ديانة ينتمي.

ويضيف في حديث للجزيرة نت من مكان التصوير أن هذه المحنة "فجرت السؤال في مقطع آخر من الفيلم عن طبيعة التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي عبر مئات وآلاف السنين".

وانطلاقا من هذه المحنة، فإن رسالة الفيلم تحاول طرح الواقع العراقي الحالي، وما يشهده البلد من محاولات لتدمير البناء الاجتماعي العراقي، خلافا لما اعتاد عليه الجميع.

ويستطرد إدريس "تعمدنا الحديث عن هوية الشاب من الزاوية الدينية، ونحن نعرض واقعا حقيقيا وليس افتراضيا أو متخيلا"، فهناك الكثير من القرى والمدن في مناطق العراق تعيش فيها جميع الديانات والأعراق أيضا، لكن التمازج بين الجميع وصل إلى ما يشبه الانصهار اليومي، ومن خلال محنة جثة الشهيد القادم من جبهة الحرب نطرح قضية جوهرية "تعكس في حقيقتها الوجه العميق لحياة العراقيين".

ويشير إلى أن أكثر من ثلاثين ممثلا وممثلة يؤدون الأدوار الرئيسية والثانوية في هذا الفيلم الذي يعتبر واحدا من الأفلام الروائية التي تنتجها مديرية السينما والمسرح في وزارة الثقافة بإقليم كردستان العراق.

العم عبد الرحمن الشخصية الرئيسية
في فيلم "وجه الرماد" 
(الجزيرة نت)

العم عبد الرحمن
ولأن العم عبد الرحمن أكبر الموجودين في القرية عمرا، وله العديد من الأحفاد في جبهة الحرب التي امتدت بين عامي 1980 و1988، فإن الكثير من الناس يحاولون استلال جواب منه على سؤال دوّخ أهل القرية لمدة يومين.

ولم يسبق أن وُضع العم عبد الرحمن في موقف محرج ومحير كهذا الموقف، فهناك من يقول إن الديانة الفلانية التي يدين بها قسم من أبناء القرية لا تسمح ببقاء الجثة دون دفن، ثم سرعان من يبادر بطرح وجهة نظر أخرى تعبر عن تقاليد ديانة أخرى.

ويقول الممثل الكردي المعروف ناصر حسن الذي يؤدي دور العم عبد الرحمن للجزيرة نت "لقد شدني هذا الدور، ووجدت صعوبة بالغة في الإجابة على أسئلة أهل القرية لدفن الشاب، لكن في الوقت نفسه وجدت أن هذه القصة تجيب بسهولة على كل من يريد تفتيت الوحدة المجتمعية في العراق". فقد جسدت أحداث هذا الفيلم العمق الحقيقي لصورة المجتمع العراقي المعروف بتعايشه ومحبة بعضه للآخر.

ويقول المدير العام لمديرية السينما بإقليم كردستان العراق شاخوان مصطفى إن "هذا الإنتاج له أهميته الخاصة، وهو من الأفلام الروائية الطويلة"، وقُدرت ميزانيته بنحو 330 ألف دولار، ويتوقع أن تكون له أصداء طيبة نظرا لأهمية القضية التي يطرحها، والكوادر المتميزة العاملة فيه.

المصدر : الجزيرة