سفينة جوهرة مسقط التي قدمت في المعرض أكدت عمق علاقة العمانيين بالبحر (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

يشكّل معرض "عُمان والبحر" الذي انطلق حديثاً في متحف البحرية الوطني بالعاصمة الفرنسية باريس دعوة إلى السفر في جغرافيا سلطنة عمان، ولكن أيضاً في تاريخها العريق الذي تغذّى على مر الزمن من مغامرات شعب واجه البحر باكرا ولعب دورا محورياً في تطوير التجارة البحرية على طرق التوابل والبخور.

وفي هذا السياق، يكشف منظمو المعرض عن مجسّمات وأدوات ملاحة وصور ووثائق يتجلى من خلالها غنى إرث عمان البحري الذي فُتن به رحّالة كُثر، على رأسهم الأميرال الفرنسي فرانسوا إدمون باريس الذي زار عمان منذ قرنين ودوّن معلومات حيوية حول تصميم السفن العمانية وأسلوب بنائها.

وليس صدفة أن تحمل عمان تسمية "سلطنة البحر"، فشخصية سندباد الشهيرة في كتاب "ألف ليلة وليلة" مستوحاة من قصة بحّار عماني من مدينة صُحار تمكن عام ٧٥٠م من إنجاز أول رحلة بحرية إلى مدينة كانتون الصينية.

وعلى المستوى الجغرافي، يحدّ هذه السلطنة من الجنوب المحيط الهندي، ومن الشمال الخليج العربي، بينما تمتد شواطئها على طول ٣١٦٥ كلم، وبفضل ذلك نفهم كيف تحوّل هذا البلد منذ القدم إلى موقع محوري في التجارة البحرية بين الشرق والغرب، علما بأن عشق الشعب العماني للملاحة البحرية والتجارة والمغامرة معروف لدى الجميع.

ومن خلال المعرض الحالي يتضح لنا أن علاقة عُمان بالبحر تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، حيث كان التجار العمانيون يحملون البضائع عبر البحار إلى جميع أصقاع العالم.

لكن العصر الذهبي للتجارة العمانية انطلق في القرن السابع للميلاد واستمر حتى القرن الخامس عشر، مع فتح طريق الحرير البحرية.

مخطوطة النونية الكبرى للعماني أحمد بن ماجد السعدي عن علم البحار (الجزيرة نت)

ثراء حضاري
وقد شكّلت المرافئ العمانية الكبرى آنذاك (مسقط وسُحر وقلهات وصور) مراكز رئيسية للتبادل الاقتصادي والثقافي بين حضارات مختلفة، وشبكة تجارية فريدة سمحت بتنقّل مواد ومنتجات مختلفة، كالبخور والنحاس والتوابل والتمر (منتجات عمانية نموذجية) والأقمشة الهندية والحرير والخزف الصينيين.

وحول طريقة اهتداء البحّارة العمانيين في رحلاتهم الطويلة عبر المحيطات، يتبيّن لنا داخل المعرض أنهم لجؤوا إلى تقنيات بسيطة جدا كمراقبة الريح ولون الماء، واستعانوا بموقع النجوم وبأدوات بدائية تسمح بحساب خطوط العرض، وذلك قبل اختراع البوصلة بزمن طويل، كأداة "الكمال" البسيطة التي تقتصر على قطعة من الخشب يتدلى من وسطها خيط، أو آلة "الربعية" الأكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، نشاهد بعض أعمال البحّار العماني الشهير أحمد بن ماجد (القرن الخامس عشر الميلادي)، مثل كتاب "النونية الكبرى" المرصود لعلم البحار، وقصيدة "سوفالا" التي تنتمي بإيقاعاتها وأصواتها غير العادية إلى ذلك النوع من القصائد المرصودة لتسهيل الملاحة البحرية وتأمين حلول لبعض مشاكلها.

تجدر الإشارة هنا إلى أن البحارة العمانيين استعانوا بالنظم الشعري لتسجيل تعليمات مفصلة حول كيفية إكمال الرحلات الصعبة. وعملاً بالتقاليد الشفهية العمانية القديمة، كان البحارة يحفظون هذه القصائد عن ظهر قلب ويرددونها عند الحاجة.

أما القسم الأخير من المعرض فنتعرّف فيه إلى السفن والمراكب العمانية التقليدية من خلال مجسّمات كبيرة تم تصنيعها بدقة متناهية، كسفينة "البغلة" ذات الساريتين والشراعين المنحرفين، وقد استخدمت لنقل البضائع وتراوحت حمولتها بين ١٥٠ و٤٠٠ طن، ومركب "البدن" الذي استخدم للصيد ونقل السلع وكان يلائم ظروف الملاحة المحلية، وسفينة "الغنجة" التجارية المزينة بالنقوش والزخارف الفنية وكانت حمولتها تصل إلى ٣٠٠ طن.

وكذلك سفينة "البوم" التي تراوح طولها بين ١٥ و٣٧م وحمولتها بين ٧٥ و٤٠٠ طن، ومركب "الشاشة" الصغير الحجم والبدائي الصنع الذي كان يستخدم لصيد السمك قرب الشواطئ، ومركب "الزاروقة" الصغير الذي استُخدم للصيد ونقل البضائع وتميّز بساريتين منحنيتين.

لكن أفضل هذه المجسمات يبقى ذلك المصنوع على شكل سفينة "جوهرة مسقط" التي بنيت على غرار سفينة تجارية عربية من القرن التاسع الميلادي، ومجسّم أحد الزوارق السريعة الحديثة "الترايماران" الذي يستخدمه فريق السباقات الدولية في عمان.

ولا يهمل منظمو المعرض التقنيات والأدوات التي استخدمها الحرفيون العمانيون في بناء السفن وسمحت لهم بإهمال المسامير المعدنية لصالح تشبيك الألواح الخشبية وخياطتها بواسطة حبال مصنوعة من ألياف شجر النرجيل.

ويختم المعرضَ فيلمٌ يوضح جهود سلطنة عمان في تطوير جيل جديد من البحارة، وفيلم آخر يكشف العمل الجاري حالياً لبناء سفينة شراعية مهيبة ستحل قريباً مكان سفينة التدريب التابعة للبحرية العمانية والمعروفة باسم "شباب عمان".

المصدر : الجزيرة