السموأل خلف الله: الأسباب الثقافية غابت عن الربيع العربي (الجزيرة)

محمد نجيب-الخرطوم

استبعد وزير الثقافة السوداني السابق السموأل خلف الله -الذي يتولى حاليا أمانة الفكر والثقافة في الحركة الإسلامية السودانية، وأبرز المرشحين لتولي الوزارة من جديد- أن تشهد بلاده "ربيعا عربيا"، وقال إن العامل الثقافي لم يكن سببا في قيام ثورات الربيع العربي، كما يرى أيضا أن انفصال جنوب عن السودان كان انفصالا سياسيا وليس ثقافيا.

وتحدث السموأل -في حواره مع الجزيرة نت- عن تجربته، ورؤاه لمستقبل العمل الثقافي السوداني وفق تقاطعات العلاقة بين الثقافي والسياسي في محاور مختلفة، وفيما يلي نص الحوار: 

 ما هو المشروع الثقافي الذي تريد أن توصله للمجتمع؟ وهل هو من صنع كافة التيارات الفكرية أم من صنع حزب واحد؟

الثقافة لا تزدهر إلا في ظل التنوع، وإذا أردت أن تعرف مستوى الفكر الذي تعبر عنه فلابد من أن تقيسه على آخر، هذا القياس وهذه المساجلة والمدافعة هي التي تكوّن المشروع، وأنا لست من الذين يؤيدون الإقصاء أو الإبعاد، والكسب لا يتم إلا بالحوار، وأرى أن التلاقح الفكري معين للحركة الفكرية في بلادنا، وهناك خطوط حمر لابد من أن نقف عندها، وهي ألا نسيء إلى الوطن ولا نخونه، ولا نسيء إلى دياناتنا أو قبائلنا، ولابد للفكر من أن ينداح بحرية واسعه. 

  يرى البعض أن عدم مراعاة التنوع الثقافي أدت إلى انفصال الجنوب وزعزعة الوحدة الوطنية في دارفور وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان فما رأيكم؟

أعتقد أن الجنوب لم ينفصل ثقافيا، ودليلي على ذلك أن آلة "البالمبو" الموسيقية -وهي آلة جنوبية لدى قبيلة الزاندي- يمدح بها الآن مديح حاج الماحي، ويغني بها غناء النعام آدم في الشمالية، وكذلك آلة "الطمبور" -وهي آلة شمالية من منطقة المحس ودنقلا وبلاد الشايقية- لا يستطيع فنان جنوبي أن يغني مفردا إلا بهذه الآلة.

والآن هنالك مصاهرة كبيرة جدا بين الشمال والجنوب، ونحن لا نستطيع أن نقول نحن عرب مائة بالمائة، ولا أن نقول نحن زنوج مائة بالمائة، نحن عرب وأفارقة، فينا إسلامية وأفريقية وعربية ووثنية ومسيحية جعلت منا ما يسمى "السودانوية" كما كان يسميها أستاذنا أحمد الطيب زين العابدين.

وأعتقد أن إتاحة الحريات لكل الثقافات وإدارة التنوع الثقافي بعدالة يحققان الكثير من الوحدة الوطنية والسلام الذي يصب بالضرورة في التنمية والتطور لنكون دولة حضارية متقدمة. 

  كيف يمكن أن يكون للثقافة دور في حلحلة المشكلات السياسية المتأزمة الآن وإزالة مظاهر الاحتقان التي تصطرع داخل المجتمع؟

قضية أن ترفع السلاح في وجه أخيك وتقتله هذه قضية ثقافية، ولو أن علماءنا أوضحوا أن القاتل عمدا مؤبد في النار -ضمن ثلاثة مؤبدين ليس هنالك سواهم- لما قتل أخ أخاه، ونحن لو أتحنا للثقافة أن تلعب دورها كاملا لتمكنا من حلحلة كل المشكلات السياسية، فالثقافة والفنون هي التي تقود الحياة، وهي التي توحد الوجدان، وإذا توحد الوجدان توحد كذلك الإنسان، وإذا توحد الإنسان كانت له قوة ضاربة في مجال العلم وفي مجال الثقافة والحضارة، أما إذا تفرق الناس فإن المصيبة الكبرى تأتي وتنهار الدولة.

 نلاحظ أن هناك الكثير من الروايات التي منع نشرها، كيف يمكن الحفاظ على حرية التعبير وصونها من توغلات الحزب الواحد؟

الجهات التي تنظر في الأعمال الأدبية والفنية جهات ليست حزبية، هي جهة محايدة تسمى المجلس الاتحادي للمصنفات الأدبية والفنية، وأعتقد أن هذا المجلس يجب أن يكون بعيدا عن تأثير السلطة، فهو صمام الأمان لتطوير الثقافة والفنون.

وأذكر أنني وجدت مرة رواية ممنوعة من النشر وطلبت تقريرا عن سبب المنع، فكان سبب المنع أن هذه الرواية تحمل ألفاظا نابية، ونحن بالتأكيد لا نستطيع أن نجعل مثل هذه الرواية تسير بين شبابنا، فكل الروايات التي منعت كانت تحتوي ألفاظا نابية لا تليق بالمجتمع، حسب التقرير الوارد من لجان المصنفات.

ولكن لم تمنع رواية واحدة بسبب موضوعها أو لأنها تقدح في النظام، ونحن علينا مسؤولية أن نحمي المجتمع من القصص والروايات التي تتدنى باللغة، ولو كنت موجودا لما سمحت بكلمة نابية تمر، وفي اعتقادي أنه في عصر الفضاءات المفتوحة الواسعة من الواجب على السلطة أن تنأى بنفسها عن هذه القضايا وأن نتركها لمشرط النقاد.

  كيف تنظر إلى تعدد الكيانات الثقافية؟

أنا مع توحيد الكيانات، وبذلت جهدا يشهد عليه رؤساء الاتحادات، لدينا الآن الاتحاد العام للأدباء والكتاب، والاتحاد العام للأدباء، والاتحاد العام للكتاب السودانيين، والاتحاد القومي للأدباء والكتاب، ورابطة الكتاب السودانيين، واتحاد شعراء الأغنية، وذات الشيء في الغناء تتعدد الاتحادات.

وأنا مع توحيد الحركة النقابية للأدباء في اتحاد واحد، ومن الممكن أن تكون هناك جمعيات تنضم تحت هذا الاتحاد، ولكن السياسة تفرقت بالناس وشتت جهودهم حتى النقد لم يسلم منها إذا كان للناقد اتجاه يخالف اتجاه الكاتب، ونحن أحيانا تأتينا دعوات من اتحاد الأدباء العرب لاتحاد الأدباء السودانيين فلا نعرف من ندعو ومن الذي يمثل، وأرى أن التشتت السياسي أثر على التشتت الثقافي، لأن هذه الاتحادات ليست كلها بريئة من الحركة السياسية، وليست مبرأة من النشاط السياسي.

  هل كان وراء الربيع العربي عامل ثقافي، وهل تتوقع ربيعا في السودان؟

أنا افتقدت دور الثقافة في الربيع العربي، كل التجارب التي رأيتها في ليبيا وتونس ومصر كانت متعلقة بالمعيشة، والشاب الذي أحرق نفسه في تونس لم تكن له قضية ثقافية وإنما ارتبطت قضيته بالعطالة لعدم وجود وظيفة.

وهذه هي القضية التي قامت عليها الثورات كلها، وهي قضية تسبب إزعاجا حتى في أميركا، وأعتقد أن الربيع العربي نتاج حركات سياسية أثرت فيها الأحزاب، ولم يكن هناك قادة ثقافيون في الربيع العربي حتى إن الذين تسلموا السلطة بعد قيام الثورات كانوا سياسيين، ولا أتوقع ربيعا عربيا في السودان.

المصدر : الجزيرة