مسرحية "الرهيب".. سيرة الطاغية ولوثة الحكم
آخر تحديث: 2013/11/29 الساعة 14:25 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/11/29 الساعة 14:25 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/27 هـ

مسرحية "الرهيب".. سيرة الطاغية ولوثة الحكم

مشهد من مسرحية الرهيب للمخرج منير العرقي والكاتب عبد القادر اللطيفي (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
يعود المسرح التونسي إلى الاقتباس في  الدورة الجارية لأيام قرطاج المسرحية عبر عدد من الأعمال الفنية، فيقدم علي اليحياوي "نوار الملح" عن نص للروائي غارسيا مركيز، وعبد القادر بن سعيد "أنتغون" عن سوفوكليس، و"حدث محمود المسعدي قال" لكمال العلاني، و"ريتشارد الثالث" لجعفر القاسمي عن نص لمحفوظ غزال، و"الكبّوط" لأمير عيوني عن نص "المعطف" لنيكولاي غوغول. 
 
وكذلك كان الاقتباس حاضرا مع المسرح العربي أيضا، فقدم الفلسطيني محمد عيد "رحلة رضا" عن نص "رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة" للسوري سعد الله ونوس. وفي هذا السياق يقدم المخرج التونسي منير العرقي مسرحيته الجديدة "الرهيب" عن كتاب "ابن الأغلب الأمير الرهيب" للمؤلف عبد القادر اللطيفي، وهي من بطولة جمال المداني وبشير الغرياني وصلاح مصدق وحليمة داود وفوزية ثابت وغيرهم من الممثلين التونسيين.

تسترجع المسرحية سيرة حاكم القيروان إبراهيم بن الأغلب الذي دفع إلى الحكم دفعا وقد كان زاهدا فيه، ليتحول بعد ذلك إلى طاغية يتمسك بعرشه تمسكا مَرَضيا، ولم يتردد في إراقة دماء كثيرة وقمع شعب برمته من أجل بقائه وبقاء سلطته، إنها مسرحية تروي لوثة الحكم.

الممثلان جمال المداني (يمين) والبشير الغرياني في مسرحية الرهيب (الجزيرة)

قصة طاغية
تنطلق المسرحية من ليلة وفاة أمير البلاد "أبو الغرانيق" واجتماع حكماء إمارة القيروان حول واليهم إبراهيم بن الأغلب الثاني، الذي جسد دوره الفنان البشير الغرياني، طالبين منه أن ينتزع الملك من ابن أخيه ولي العهد.

غير أن ابن الأغلب رفض وأبدى زهدا في السلطان، حتى لان بعد إلحاح وقبل الفكرة، فخرج منقلبا على ابن أخيه. تلك الليلة التي كما تعالجها المسرحية فتحت على أهل البلاد بابا أسود للقتل والترويع.

ورغم انتصاراته في توسيع دولة الأغالبة بفتح جزر في أوروبا (صقلية ومالطا) فإن طغيانه وجنونه أعمياه عن أصول الحكم، فروّع رعيته وبطش بحاشيته وطال سيفه بناته، حتى جاء القحط وجاع الناس فخرجوا عليه قبائلَ وأفرادا، لينتهي حكم طاغية صنعته حاشية فاسدة كانت قبل توليته نخبة حكيمة.

يقارب المخرج منير العرقي مسرحيا نشأة الدكتاتور وترعرعه في ظل انتهازية الحاشية ومناخ النفاق الذي نسجه من حوله زبانية القصر، مما يجعل أعدل الحكام عرضة للانحراف والسقوط في هوس الحكم ليضعوا كل مرة تاريخا جديد للاستبداد.

فالمستبد كما تقدمه المسرحية لم يولد مستبدا، بل المحيط الذي سيظهر فيه هو ما يخلق منه طاغية، وهذا ما حصل مع إبراهيم الثاني أو إبراهيم بن الأغلب أو الرهيب كما سماه الإيطاليون.

ويقول العرقي إن المسرحية تجسد حقيقة الحاكم العربي، مشيرا إلى أن الدكتاتور لا يولد فجأة بل إن وجوده يكون بفعل عدة معطيات أهمها اتفاق الحاشية وصراع المصالح وقابلية المجتمع للاستبداد.

المسرحية التي عرضت في قاعة الفن الرابع بالعاصمة أمام عدد كبير من الجمهور، اضطر أكثر من مائة منه للانتظار خارج القاعة، سهر على إنجازها عشرات التقنيين والفنيين، وتطلبت بحثا طويلا في أرشيف الوثائق وتاريخ دولة الأغالبة للتشبع بمناخات تلك الفترة والذوق العام وقتها لتصميم  الديكور والملابس المناسبة لتلك الفترة من تاريخ تونس، والملائمة لطبيعة الشخصيات ومراكزهم داخل الحكاية التي يقوم عليها العمل المسرحي.

حليمة داود في دور أم الرهيب إبراهيم بن الأغلب وبداية جنون الطاغية (الجزيرة)

الاقتباس والتحوير
وليس المخرج منير العرقي حديث عهد بالاقتباس الأدبي، فهو من المخرجين القلائل في تونس الشغوفين بقراءة الأدبين العربي و العالمي، وقد سبق له أن أخرج رائعة باتريك زوسكيند "الكونترباص" ومسرحية "أنتغون"، وهو يبحث دائما عن النصوص الأدبية الخليقة بالاقتباس والمعالجة المسرحية، كما يقول، وتأتي "الرهيب" ضمن هذا الخط من مشروعه المسرحي.

وبالتفاته إلى عمل الروائي عبد القادر اللطيفي يكون العرقي إنه قد حرّك منطقة تعاون شبه مشلولة بين الأدباء والمسرحين في تونس. لكن الاقتباس لم يكن ليقيده بالنص بشكل كامل، بل لاحظنا تحويرات هنا وهناك في حركة النص بما تطلبته معالجته المسرحية، وما يتناسب مع رؤيته وزاوية نظره، التي يتوغل فيها لمقاربة ما جرى لتونس القيروان مع ابن الأغلب وما جرى للتونسيين زمن الطاغية المتأخر.

وإضافة إلى حبكة النص والسينوغرافيا، شهدت المسرحية تألق الكثير من الممثلين خاصة البشير الغرياني وجمال المداني وصلاح المصدق وحليمة داود الذين تقمصوا شخصيات مركبة وفقوا فيها حد التماهي على خشبة المسرح. وبذلك يكون المخرج قد نجح في إدارة الممثلين بما مكنهم من الحلول في الشخصيات.

قدمت هذه المسرحية -التي جاءت باللغة العربية الفصيحة- محاولة جديدة ناجحة في مقاربة الواقع من خلال هذا الإسقاط الفني للتاريخي على الواقع، بالتذكير بشخصية تاريخية تونسية حولها الشعب والحاشية إلى طاغية، كما حول مراد الثالث (آخر البايات المراديين في تونس)، وحول بعده الحبيب بورقيبة إلى رئيس مدى الحياة، ودفع بالدكتاتور المخلوع بن علي إلى ولايات ثانية وثالثة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات