لقطة من المسرحية الفلسطينية "ثلاثة في واحد" التي عرضت في أيام قرطاج المسرحية (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
حمل اليوم الثالث من أيام قرطاج المسرحية مفاجأة سارة لجمهور المسرح بالعاصمة التونسية مع عرض المسرحية الفلسطينية "ثلاثة في واحد" للمخرج إيهاب زاهدة -الذي شارك رائد الشيوخي ومحمد الطيطي في التمثيل- وقدم هذا الثلاثي عملا مسرحيا متكاملا، كان درسا مسرحيا فلسطينيا مفحما ومحرجا لأرباب التساهل مع الخشبة ومن رام الاستخفاف بالجمهور.
 
تبدأ المسرحية بنقاش في ما يمكن أن نطلق عليه "الميتامسرح" أو المسرح الواصف بين ثلاثة مسرحيين حول من يمثل دور المرأة في مسرحيتهم الجديدة المقتبسة من أعمال شكسبير، لينتهي الجدل بهم إلى التساؤل عن جدوى هذه الأعمال الكلاسيكية المقتبسة من الأعمال العالمية في ظل ثقل واقع اجتماعي وسياسي محلي متأزم.
 
تقارب المسرحية واقع الفنان الفلسطيني في واقع فلسطيني مركب (الجزيرة)
المسرح ومأزق الواقع
فلا تزيد تلك الأعمال -وفق المسرحية- إلا في مساحة الاغتراب التي يعيشها الجمهور تجاه الأعمال المسرحية ومنتجيها، ومن ثم في توسيع الهوة بين الفن والواقع.
 
ويبدأ العمل المسرحي في مقاربة واقع الفنان المسرحي والمسرح في واقع فلسطيني مركب، ليدون هذا العمل ملحمة الفنان في زمن الاحتلال والتخلف والفقر.
 
بالتوازي مع حبكة العمل الدرامي والحكائي في مسرحية "ثلاثة في واحد" يمكن للمشاهد أن يتابع حبكة فنية ومشهدية موازية لحبكة النص، فيكاد العمل الفني يخرج بصفر من الأخطاء فكانت الإضاءة متقنة ومناسبة لتطور الأحداث وتناولها مشهديا.
 
كما كان الديكور البسيط المتمثل في خلفية سوداء تشدها أسلاك شائكة رمزا لواقع الاحتلال ومقاعد سوداء لواقع اجتماعي أسود أكده مشهد المبولة التي تذكر بعمل الفنان مارسيل "ديشومب"، حيث لا يجد الفنان راحته وحريته إلا داخل المراحيض الخاصة، فيهرع اليها ليتوحد مع ذاته هربا من الرقابة وواقع الاغتراب الذي يعيشه.
 
ويبقى استعمال حوامل ملابس الغسيل من أروع ما وظف في المسرحية التي استعملها الممثلون الثلاثة، حيث وظفت مرة في الرقص ومرة كحواجز إسرائيلية ومرة كمكاتب إرشادات ومرة كمعاقل للفنان الذي يحاصر وتقيد حريته من خلال محاصرة الفكر التقليدي المتعصب للفنان الذي شخّص دور المرأة واتهامه بالخروج عن العادات.
 
في المسرحية سلسلة من المتاهات ترمي بالفنان الفلسطيني داخل حلقة مغلقة من التساؤل عن الحل، فيجرب كل شيء ويقضي حياته يقلب الممكنات بحثا عن وجود يليق بأحلامه
كلام جاد عن"الحكي الفاضي"
قدم كل من رائد الشيوخي ومحمد الطيطي وإيهاب زاهدة أداء متميزا طوال المسرحية، وبدت لياقتهم تقوى وحضورهم يهيمن على الخشبة والجمهور مع كل مشهد من مشاهد المسرحية، وكانوا يقدمون عملهم كأنما هم شخص واحد، فكانوا تجسيدا لعنوان المسرحية "ثلاثة في واحد" وبدا الأداء متقاربا كما الموهبة الفنية، مما يشي بعمل كبير في البروفات سبق هذا العرض.
 
وأظهر العرض القدرات الاستتثنائية للممثلين الذين رأيناهم يتقمصون أدوارا مختلفة ووضعيات متعددة لتقديم معاناة الفنان الفلسطيني في مواجهة واقعه كفرد فلسطيني يعيش ضمن واقع الاحتلال من ناحية وواقع اجتماعي  واقتصادي متأزم كان له عميق الأثر على العلاقات الإنسانية داخل هذا الشعب.
 
فالمجتمع يرى أن المسرح "حكي فاضي"، وهي كلمة تتردد كل مرة على خشبة المسرح، كلام فارغ وكماليات غير مبررة، كما يقدم العمل واقع المراة الفلسطينية وعلاقتها بالفن والمسرح من خلال غيابها عن المسرح ولجوء الممثلين الرجال إلى تقمص أدوارها، مما  سيعرضهم بدورهم إلى النقد، فكيف للرجل الفلسطيني أن يرضى بتقمص دورامرأة ؟
 
سلسلة من المتاهات ترمي بالفنان الفلسطيني داخل حلقة مغلقة من التساؤل عن الحل، فيجرب كل شيء ويقضي حياته يقلب الممكنات بحثا عن وجود يليق بأحلامه حتى ينتهي به الأمر مشنوقا متدليا بحبله، أو مهاجرا مغتربا شريدا لا أحد يعترف به، وبهوية ملتبسة يرفض العالم أن يعترف له بها، أو قتيلا رمزيا بالتخلي عن أحلامه الفنية فيمتهن من دون الفن مهنة أخرى.

إنها النهاية المتكررة بمعنى واحد، وهي الخروج: إخراج الفن منه أو الخروج به أو إخراج روحه والانتحار، وهو ما انتهى إليه الأبطال الثلاثة في ملحمتهم مع المسرح.

مفلح العدوان: المسرحية قدمت كل ما يمكن أن يقال حول قضايا اجتماعية كثيرة (الجزيرة)

البساطة اللاذعة
صفق الجمهور طويلا لهذا العرض الاستثنائي الذي حضره عدد كبير من الفنانين والوجوه الثقافية التونسية والعربية.

وقال الكاتب الأردني مفلح العدوان عن المسرحية "كان الشباب مدهشين، وقدموا عرضا مسرحيا متكاملا وتم طرح كل ما يمكن أن يقال حول قضايا اجتماعية كثيرة دون تنظير ومباشرة وبفنية عالية جدا، وقد تمكن هؤلاء النجوم من أن يحدثوا حالة فنية عالية جدا، وقد قاربوا موضوع الحرية بشكل عام في ساعة واحدة لم نشعر أبدا بأننا أمام تمثيل".

أما الفنان الفلسطيني رائد عصفور، من مسرح البلد، فقال إن العرض يعتمد على البساطة اللاذعة، وقد تطرق إلى معاناة الفلسطيني بالتحديد والفنانين والظروف والتقاليد الموروثة، ومنها عدم وجود ممثلات نساء، وهي نقطة انطلاق العرض.

وأضاف عصفور أن العمل انطلق من هذه المعاناة الصغرى ليأخذ المشاهد إلى المعاناة الكبرى للفلسطيني تحت الاحتلال والفنان العربي بشكل عام الرازح تحت القيود المتعددة. وأهمية هذا العمل أنه قادم من مدينة الخليل، حيث تنعدم أي مرافق ضرورية لنشأة الفنان ورغم ذلك تخرج مثل هذه المواهب العظيمة وكأنما هي عشب ينبت في الصخر.

المصدر : الجزيرة