جانب من معرض الفنان المغربي محسن حرّاقي بباريس (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
لم تخطئ الفنانة والناقدة الفلسطينية ألاء يونس في نصها الذي رصدته لمعرض الفنان المغربي محسن حرّاقي في غاليري "إيمان فارس" الباريسية بقولها إن هذا الفنان "يخرج دائما إلى الداخل".
تحمل أعمال حرّاقي دائما آثار تنقله الثابت بين مدينة أصيلة المغربية التي ولد وترعرع فيها، وبين باريس التي اختارها مكانا لإقامته، كما أنه يعمل دائما على مشروع لمسقط رأسه حين يكون في باريس، ولباريس حين يعود إلى المغرب.

غائب حاضر إذا جسديا وعاطفيا، في كل من المدينتين يدفعه زمن الغياب وفضاؤه إلى أن يكون في المكان الموجود فيه، وتدفعه الهجرة التي اختبرها إلى مساءلة جوهرها والتعريف بها كإهمال للجغرافيا التي ولد ونشأ فيها وتبنّي جغرافيا أخرى، وفي الوقت ذاته الإفلات من أي فضاء جغرافي محدد. هجرة مزدوجة طوعية كانت أو مكرهة، ونفي مزدوج.

 من أعمال الفنان التشكيلي  محسن حرّاقي بالمعرض (الجزيرة)

تجربة الهجرة
ومنذ مغادرته المغرب، قارب حرّاقي موضوع الهجرة ونتائجها في أعمال مختلفة. ومن هذا المنطلق، علق في المقطورة التي شكلت منزله الأول في مدينة تولون الفرنسية لافتات كتب عليها "لحم من المغرب" أو "حلال" أو "خصم ٤٠%" أو "افتح هنا"، لافتات تعكس السلوك المقولب والعنصرية اللذين يتم بواسطتهما التعامل مع المهاجر في منفاه.

وفي عمل بعنوان "سؤالان للفنان الأميركي جوزيف كوسوت" (٢٠٠٨)، يسأل حرّاقي هذا الفنان "لماذا هنالك عنصرية في عالمنا اليوم؟"، ويتلقى من كوسوت الجواب الآتي "يمكن للشخص الذي تعتبره أقل شأنا منك أن يمنحك الانطباع بأنه يملك سلطة ما، وإن كان ذلك وهما، لأسباب عديدة. ولهذه المسألة نتيجة سلبية على الفرد في مختلف الطبقات الاجتماعية".

بعبارة أخرى، يعتبر كوسوت أن العنصرية تأتي نتيجة شعورنا بسلطة لدى الآخر -الغريب- لا نملك ضوابط لها، وغالبا ما تكون وهمية.

وتجربة الهجرة هي التي أثارت من دون شك اهتمام حراقي بموضوع التاريخ. ففي عمله "أكواريوم اصطناعي" (٢٠١١) يذوب كتاب التاريخ في الماء، وتتحول مادته إلى عناصر طافية، في حين تنمحي الكلمات مخلفة فقط آثار جسد مفرغ في حالة تفاعل مع محيطه.

وفي عمله "تاريخ ٢" (٢٠١٣)، يعيد حرّاقي كتابة تعريف التاريخ على صفحات كتاب من زجاج. حين يكون الكتاب مفتوحا، تشكل صفحاته دائرة أو زهرة تطفو الكلمات داخلها، من صفحة إلى أخرى.

وتشبه الأسطر التي خطها الفنان في هذا العمل تلك الملاحظة في عمله "المسألة الخامسة" (٢٠١١) والتي تظهر على شكل معادلات أو أغصان داخل شجرة عائلة.

وفي الواقع يرسم حرّاقي في أعمال مختلفة شجرة عائلة أولئك الذين يتربعون على سدة الحكم في البلدان العربية باسم السياسة أو الثروة أو الوراثة، وذلك بطريقة يبدو موقع أي اسم داخل الشجرة في علاقة مع سلطة الشخص الذي يحمل هذا الاسم. وفي هذا السياق نفهم أيضا عمله "عروش" (٢٠١٣) الذي يسجل فيه على قطع قماش أبيض شجرة عائلة أربعة حكام عرب.

 جانب من المعرض (الجزيرة)

الواقع والزيف
وإلى جانب مواضيع الهجرة والعنصرية والتاريخ والسلطة، يتناول حرّاقي في عمله مواضيع سوسيولوجية فلسفية. وفي هذا السياق، يتساءل في بعض أعماله عن تأثير أحداث مفبركة على الأحداث الحقيقية، وعن الطريقة الملتوية التي تبلغ هذه الأخيرة جمهورها، مبينا كيف يتم استكمال الواقع الحقيقي بآخر مزيف في عالمنا اليوم، وبالتالي تزييف تاريخنا.

وفي السياق نفسه يهتم حرّاقي أيضا بالعلاقة الجدلية بين حضور وغياب، فيطرح في عمله السؤال الآتي "هل يساهم تجلّي شيء ما بطريقة أو بأخرى في تواريه؟"، ويقترح الجواب الآتي "حين يتجلى مشهد ما، تتوارى الأشياء التي في داخله، وبالتالي يصبح الحاضر غائبا والغائب حاضرا".

أما مشاركة الفنان التصوّري جوزيف كوسوت في المعرض الحالي فتأتي على شكل تجهيز يتألف من لوحات سود مختلفة تربطها الأصول الإنجليزية لكلمة "نور" بعضها بعضا، ونقرأ داخلها مقتطفات مختلفة من كتاب ألبير كامو "الغريب" باللغات الفرنسية والعربية والإنجليزية.

ويتفاعل هذا التجهيز مع أعمال حرّاقي على المستويين الموضوعي والتشكيلي. فالغريب الذي ينتهي مقتولا على يد الراوي في رواية كامو الشهيرة هو نفسه المهاجر الذي يتناول حرّاقي وضعه التعيس في بعض أعماله، والمقتطفات التي يختارها كوسوت من الرواية المذكورة ويُسقطها داخل لوحات تجهيزه تسلّط بدورها ضوءا كاشفا على وضع المهاجر عموما.

ومن جهة أخرى، تحاور شبكة الخطوط التي تعبُر لوحات تجهيز كوسوت خطوط أشجار العائلة التي يرسمها حرّاقي لبعض حكامنا العرب.

المصدر : الجزيرة