يتحدث حميد عبد الحسن المعروف بأبو ماجد بحسرة كيف أن كثيراً من بيوت الشناشيل بالبصرة باتت آيلة للسقوط. وكيف يقوم سكانها الحاليون بترميمها قدر استطاعتهم. ورغم ذلك فقد تسبب تقادم الزمن, وعدم اهتمام الحكومة بانهيار بعض جدرانها.

بيوت شناشيل في منطقتي السيف ونظران بمحافظة البصرة (الجزيرة)

عبد الله الرفاعي-البصرة

لم يكن أمام العراقي حميد عبد الحسن (74 عاما) -النازح من إحدى قرى قضاء أبي الخصيب جنوبي محافظة البصرة- إلا أن يتخذ من البيوت التراثية الفارغة بمدينة البصرة المعروفة بالشناشيل مسكنا له, هو وعائلته المكونة من تسعة أفراد.

كان ذلك أبان نزوح عائلات عراقية كانت تسكن في المناطق القريبة من إيران خلال الحرب بين البلدين في ثمانينيات القرن الماضي. ولم تجد العائلات -حينئذ- أمامها إلا الإقامة في المنازل التراثية.

كان نصيب عبد الحسن وعائلته بيت "شناشيل" يعود إلى أحد أعيان البصرة خلال فترة الحكم العثماني، وهو لا يبعد سوى بضعة أمتار عن قصر الشيخ خزعل الكعبي الذي حكم المحمرة للفترة من 1897 حتى عام 1925. وكان القصر مخصصا آنذاك للضيافة.

يتحدث عبد الحسن المعروف بأبو ماجد بحسرة كيف أن كثيراً من بيوت الشناشيل باتت آيلة للسقوط. وكيف يقوم سكانها الحاليون بترميمها قدر استطاعتهم. ورغم ذلك -يضيف عبد الحسن- فقد تسبب تقادم الزمن, وعدم اهتمام الحكومة بانهيار بعض جدرانها الحديثة البناء. وتآكلت الأخشاب الأصلية التي استخدمت في بناء نوافذها, وهو ما دفع سكان تلك البيوت إلى استبدال أغلب الشبابيك الأثرية بأخرى بعد تعرضها للاهتراء والتلف.

وتتمركز (قصور) الشناشيل في هذه المدينة الواقعة جنوبي العراق في مناطق نظران والسيف والصبخة والبصرة القديمة فيما لم يبق من شناشيل منطقة العشار (المركز التجاري للبصرة) إلا هياكل بيوت بعضها غير مسكون واستخدمت أخرى كمخازن للمحال التجارية.

 حميد عبد الحسن يتحدث بحسرة عن حال البيوت الآيلة للسقوط (الجزيرة)

وفي ذات الفترة التي سكنت فيها عائلات نازحة ومهجرة من خارج المحافظة بعد عام 2003 في منازل الشناشيل, خصصت الحكومة المحلية شناشيل أخرى لاتحاد الأدباء والبيت الثقافي التابع لوزارة الثقافة.

يقول مدير البيت الثقافي عبد الحق المظفر إن وزارة الثقافة ليست مسؤولة عن ترميم البيوت التراثية وأن الحكومة المحلية هي المعنية بها. وطالب أن يتم الاهتمام بها كونها تشكل واجهة سياحية للمحافظة خاصة, وأنها تحتفظ بقيم تاريخية وحضارية.

بيوت نظران
ويشير مستشار محافظ البصرة للشؤون الثقافية عبد الأمير الوائلي من جهته إلى أن هناك مشروعا مشتركا للحكومة المحلية ومنظمة اليونسكو لترميم بيوت الشناشيل التراثية في منطقة نظران لتكون مرفقا سياحياً.

وبين أن أحد مشاريع الصيانة والترميم يشمل 41 بيتاً تراثياً مسجلاً في المحافظة وأنه أحيل إلى مجلس محافظة البصرة لغرض المصادقة عليه والمباشرة بتنفيذه منذ نحو ثلاثة أشهر.

ونبه إلى أن أغلب البيوت التراثية قد تم التجاوز عليها من قبل العائلات النازحة من مناطق خارج المحافظة، فيما هناك بيوت أخرى سكنتها عوائل بعقود إيجار من قبل الحكومة.

مستشار محافظة البصرة يتهم العائلات المقيمة بالتعدي على البيوت التراثية (الجزيرة)

من جهته يرى مستشار محافظ البصرة لشؤون السياحة والآثار هاشم محمد العزام أن الزحف العمراني أثر سلباً على التصميم الأثري للبناء فيما لم يلتزم المواطنون بتعليمات دائرة الآثار التي توجب أن تبقي البيوت الأثرية على شكلها المعماري.

هيئات ودراسات
ويؤكد العزام أن تلك المنازل بقيت مهملة رغم جهود محافظة البصرة في العمل على ترميمها. ويشير في هذا الصدد إلى تشكيل هيئات فنية تشكلت قامت بتقييم الآثار وأصدرت دراسات تطوير خاصة بالبيوت, إلى جانب استملاك 41 عقارا تراثية من أجل تطويرها وصيانتها وتأهيلها للأغراض السياحية وتحويل بعضها إلى فنادق.

وأرجع ما أسماه التلكؤ في تنفيذ تلك المشاريع إلى الحروب التي لم تتح سوى إكمال ترميم بيت واحد بعد عام 1980 خصص كمقر لاتحاد أدباء البصرة.

ويقترح العزام أن تكون صيانة الدور الأثرية -التي لم تستملكها الدولة وما زالت بعهدة الأفراد- مسؤولية الحكومة, وليس مالكيها من أجل المحافظة عليها. وأشار إلى أن أغلب الدور التراثية في المحافظة تعود ملكيتها لعائلات بصرية قديمة مثل بيت المنديل وبيت المناصير والنقيب وبيت باشا عيان والشيخ خزعل الكعبي وغيرها.

المصدر : الجزيرة