زائر فرنسي يتأمل إحدى الصور في رواق المعرض (الجزيرة نت)
بوعلام رمضاني-باريس
 
لم يخطئ المصور الفرنسي "المنبوذ" برونو فير في هذه الأيام الباريسية الباردة، حينما أطلق على معرضه الفوتغرافي عن القرى الفلسطينية المهجرة عنوان "الغائبون". المعرض الذي يحتضنه رواق بناية تقع عند مدخل حديقة مونسو المخملية المعزولة، بدا خاليا من الجمهور بعدما تعرض لحملة تشويه.
 
هذا المعرض الفوتغرافي الذي تنظمه مؤسسة "سكام" لا يجعل من غياب الفلسطينيين الذين هجروا من قراهم اعتبارا من عام 1948 الضحايا الوحيدين الذين يؤرخون لأبشع نكبة عربية فحسب، بل يشير أيضا إلى ضحية أخرى تتمثل في حملة مدروسة للحيلولة دون وصول الحد الأدنى من الجمهور، حتى من العاملين في المكاتب المجاورة للمعرض.
 
صورة لأطلال قرية وادي صليب بحيفا
(الجزيرة نت)
ذاكرة لا تمحى
ماذا بقي من المدن والقرى الفلسطينية التي أفرغها الإسرائيليون من سكانها اعتبارا من عام 1948؟ سؤال تجيب عنه الصور الست الضخمة والمهمة التي يحتضنها الرواق الخالي من الحضور، تماما كما هو حال المعالم الفلسطينية الأثرية والدينية والعمرانية العامة التي أعطاها المصور الفرنسي هوية قوامها سكون مرعب وبنايات مهجورة وأطلال وآثار ناطقة بتاريخ شعب يأبى الموت والاندثار، رغم جهنمية آلة التعتيم والتغييب والتشريد.

اعتمد المصور فير الذي تحصل على جائزة "سكام روجيه بيك" هذا العام عن صوره المعروضة، على أبحاث المنظمة الإسرائيلية غير الحكومية "زوغروت" التي تهدف إلى تعريف أكبر عدد ممكن من اليهود بحقيقة هدم نحو سبعمائة قرية فلسطينية وتهجير الآلاف من سكانها اعتبارا من حرب عام 1948، على حد تعبير العضو المشترك في تأسيس المنظمة إيتان برونستاين.

"لفتة" -القرية المحاذية للقدس- هي الوحيدة بحسب برونستاين التي نجت من الهدم الكلي، مثلها مثل 54 قرية سكنها يهود اليمن وكردستان العراق إثر تهجير سكانها الفلسطينيين الأصليين، وطال التهجير أسرا فلسطينية أخرى عام 1968، وتتعرض اليوم -بحسب المتحدث نفسه- 13 عائلة كردية للمصير ذاته.

تلك القرية التي عاش فيها في أربعينيات القرن الماضي ثلاثة آلاف مسلم، يتمتع اليوم اليهود المتطرفون ببيوتها الجميلة ويستحمون بماء حوضها "المقدس".

رغم غياب الجمهور فإن وجود معرض في قلب باريس يستنهض التاريخ الفلسطيني ويؤكد صلابة ذاكرة وتراث يستعصي على التغييب

تراجيديا النكبة
تراجيديا النكبة الفلسطينية لم تتوقف عند صورة قرية "لفتة" التي أصبحت ملكا لليهود، فقد تعرضت مقبرة "عبد النبي" التي بناها أهل يافا عام 1902 والمحاذية للبحر ولفندق هيلتون، بدورها إلى الاعتداء وأضحت حديقة عامة للشواذ، في حين اضطر سكان قرية "القابسية" إلى أداء الصلاة في حقل مجاور للمسجد الذي أغلق في الوقت الذي سمحت فيه الحكومة الإسرائيلية بترميم كنيسة في القرية التي تبعد عن لبنان نحو 19 كلم.

قرية "وادي صليب" الواقعة بأعلى جبل الكرمل في حيفا سكنها عرب مسيحيون ومسلمون حتى العام 1948، قبل أن يؤتى بيهود مغاربة انتفضوا عام 1959 احتجاجا على أوضاع بيوتهم التي لم تعد صالحة للسكن.

قرية "كفر عنان" في الجليل الأعلى تحولت إلى أطلال تشهد عليها حجارة بيضاء متناثرة بعد مصادرة أراضي سكانها الفلسطينيين عام 1950 ومحاولة عودتهم عامي 1948 و1949، والمصير المأساوي نفسه عرفته مدينة "روش حايين" الصغيرة التي بنيت على أراضي "مجدل يابا" قريبا من تل أبيب، وتحولت هذه القرية العربية هي الأخرى إلى آثار مهجورة، ومن بينها "قصر ميرابيل" الذي يلتقط فيه الأزواج الجدد صورا تذكارية.

رغم التعتيم الإعلامي العام على المعرض، فإن صحيفة "ليبراسيون" اليسارية كسرت الصمت بصفحة كاملة، وقد تعرضت لاعتداء لم يفكر أحد في العلاقة المحتملة بموقفها من المعرض. ورغم غياب الجمهور فإن وجود معرض في قلب باريس يستنهض التاريخ الفلسطيني ويؤكد صلابة ذاكرة وتراث يستعصي على التغييب.

المصدر : الجزيرة