غلاف رواية "الدفتر الكبير" للسويسريّة أغوتا كريستوف (الجزيرة)
هيثم حسين
 
ترصد الروائية السويسرية من أصل مجري آغوتا كريستوف (1935–2011) في روايتها "الدفتر الكبير" مشاهد من التداعيات الكارثية الخطيرة التي تخلفها الحروب في بنية المجتمعات.

تلتقط صورا حياتيّة من الجنون الذي تخلفه الحرب، كأن يتوحش الأطفال الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مع الموت والفقر والجوع. إذ تحكي سيرا لأطفال شوهتهم الحرب ودمّرت طفولتهم، محذرة بذلك من خطورة القضاء على جيل المستقبل الذي يفترض التعويل عليه في البناء المنشود.

تبرز صاحبة "المذكرة" و"الكذبة الثالثة" في روايتها، التي ترجمها محمد آيت حنا ونشرتها دار الجمل مؤخرا، الوحشية المتنامية أثناء الحروب، وكيف يتمّ القضاء على معظم مظاهر الحياة، ويسود الموت ويعمّم القتل بنوع من التشفّي والانتقام، ويتمّ انتزاع إنسانيّة الإنسان ودفعه إلى مستنقع الجريمة والانتقام، بحيث يكون التصنيف بين معسكرين لا ثالث لهما: إمّا قاتل أو قتيل، جلاد أو ضحيّة.

ترسم كريستوف لوحة حياة بطليها، وكيف أن فقد الحنان يحرف مسار الحياة نحو اتجاهات خطيرة. تشبثَ الطفلان بالحياة، تجردا من الطفولة، وهما يبدوان أكبر من عمريهما

صراعُ البقاء
تبدأ الرواية بهروب امرأة بابنيها التوْأم من المدينة التي تتعرّض للقصف والدمار إلى قرية صغيرة على الحدود لتبقيهما في كنف أمّها. وأمام رفض الجدّة تصرّ ابنتها أنّها لا تطلب شيئاً لأجلها، تتمنّى أن يجتاز طفلاها الحرب، لأنّه يستحيل إبقاؤهما في المدينة.

تبقي كريستوف اسمَي الطفلين الصغيرين نكرتين، كما أنها لا تحدد القرية الحدوديّة، بل تكتفي بالإشارة إلى الحدود واختلاف اللغة والصراع والاقتتال على الطرفين. يتعرف الطفلان إلى تفاصيل بيت الجدّة بداية، ويتغلبان على العراقيل التي تضعها العجوز في طريقهما، ويصممان مفاتيح لفتح جميع أبواب البيت، حتى الغرفة التي تؤجرها العجوز للضابط الغريب لا تسلم من تلصّص الطفلين ولا اقتحاماتهما المتكرّرة.

الطفلان غير المسمّيين يكونان الشاهدين الشهيدين على جريمة الحرب المستمرّة بحقّ الطفولة، فهما ضحية مجتمع متحارب، يتفوّقان على الكبار بذكائهما، يجدان نفسيهما مجردين من المشاعر، يتصرفان بطريقة بعيدة عن الطفولة والبراءة، يحاولان التأقلم مع التخبط العام في صراعهما للبقاء والاستمرار.

من الصور المؤلمة التي تستعرضها الروائية، مشاهد من حياة الطفلة التي تقع فريسة الفقر والجوع، يتمّ استغلال حاجتها وجوعها وقنوط أمها. تتعرّض للابتزاز الوحشي، وتقع في براثن النبذ فتلوذ بممارسات لا تتماشى مع عمرها وطفولتها، كأن يتكالب على التمثيل بها عدد من الجنود، وقبل ذلك تعرّض نفسها لما يؤلم ويفجع من ممارسات شائنة.

ترسم كريستوف -التي هربت من بلدها إبان القمع السوفياتي للثورة المجرية عام 1956- لوحة حياة بطليها، وكيف أن فقد الحنان يحرف مسار الحياة نحو اتجاهات خطيرة. تشبث الطفلان بالحياة، تجردا من الطفولة، وهما يبدوان أكبر من عمريهما، في إشارة من الروائية إلى أن الحرب تقتل البراءة وتشيب الأطفال وتسرع في القضاء على الجميع.

يقوم الطفلان بتمارين الجوع والوجع والضرب والإهانة والعمى والصمم والتسوّل بغية التعرّف إلى الناس وردود أفعالهم، يعودان نفسيهما على قهر ما يتعرّضان له من الآخرين، وما يمكن أن يتعرّضا له مستقبلاً.

يتحوّلان إلى قاتلين صغيرين، يكتشفان محيطهما بكثير من الإيلام، يكونان رسولَي الفجيعة المتعاظمة والكارثة المتفاقمة. تسلّط كريستوف من خلال حياتهما الغريبة الأضواء على أجواء الحرب التي لا تستثني أحدا من وبائها. فالطفل يتشوّه كالكبير، كرجل الدين، كأي امرئ آخر، وتكون السمة الدارجة هي انعدام الثقة، بحيث ينقسم المجتمع ويتعادى الجميع.

ترصد الرواية بذور استشراء النزاع والعنف بعد أن تضع الحرب أوزارها، فتشتعل شرارة حرب جديدة مختلفة، لتفجّر قنابل مجتمعية موقوتة وتدفع إلى تصفيات وانتقامات لاحقة منبوذة تساهم في تعميق الجراح وتشويه معالم  المجتمع

أطفال الحروب
سيرة الطفلين التي تقدّمها كريستوف في روايتها هي سيرة أطفال الحروب جميعا بطريقة أو أخرى. فالدفتر الكبير الذي يفترض أنّه يجمع تفاصيل حياة الطفلين يكون شهادة على زمن قتل الإنسانيّة وإدانة للحرب المدمّرة.

لا تنتهي الحرب إلا مع قضائها على أيّة براءة أو طفولة، تتساقط الشخصيات تباعا، يكمل الطفلان رحلتهما وهما يوقعان بالجميع، ولا يستثنيان أقرب المقرّبين لهما. تراهما قد يقتلان من باب الرحمة، كحالة إحراقهما كوخ والدة الطفلة التي طلبت منهما إراحتها من بؤسها وفظاعة ما شهدته من مصير ابنتها.

وكذلك سلوكهما مع جدتهما التي أشيع أنها كانت قد سمّمت زوجها، وهي بدورها كانت قد سمّمت حياتهما كحياة الكثيرين، ثم يشهدان مقتل أمهما بقذيفة طائشة في نهاية الحرب، وكذلك يدبّران للقضاء على أبيهما الذي كان مراسلا حربياً واستعان بهما لاحقا ليساعداه على تهريبه إلى ما وراء الحدود.

الخوريّ الذي شهد بعض إجرامهما وتعرّض لابتزازهما وكشفهما له ولبعض ممارساته، يباركهما، وتكون في مباركته لهما رسالة إلى الجميع وهي: أن الطفلين الضائعين في عالم شنيع، هما نفساهما ضحيّتا عصر ممسوخ، لا يعرفان ما يفعلان. يعيشان في قلب الرعب معزولين عن العالم المنشود، والسماء تمطر قنابل طائشة، يخبران الإحساس بالعجز لاحقا، حين تنسد أبواب المحبة والجمال في وجههما فيضطران إلى التحايل على الطبيعة للبقاء والاستمرار.

تختار الروائيّة السرد بضمير الجمع المتكلم، أي أن الطفلين معا يسردان الحكاية، وينهيانها نهاية غريبة. ينفصل التوأمان عن بعضهما بعضا، وهما اللذان ظلا متلازمين طيلة سني الحرب. يختار أحدهما الانتقال إلى الجهة الأخرى محمّلا ببعض الكنوز، في حين يظل الآخر في كوخ الجدّة وفي القرية التي ساهمت بتحويله إلى وحش لهول ما عاشه ورآه.

ربّما يكون في اختيار ضمير الجمع ترميزا من الكاتبة إلى تبكيت صوت الفرد ودوره في أوقات الحروب الطاحنة التي يكون الأفراد وقودها وجمرها فقط دون أي اعتبار آخر.

وترصد بذور استشراء النزاع والعنف بعد أن تضع الحرب أوزارها، فتشتعل شرارة حرب جديدة مختلفة، لتفجّر قنابل مجتمعية موقوتة وتدفع إلى تصفيات وانتقامات لاحقة منبوذة تساهم في تعميق الجراح وتشويه معالم المدينة والمجتمع، بحيث تعثر على مَن يبتهج أنه مهزوم أو مبتور الأطراف أو مشوّه، وأنه ليس ميتا.

المصدر : الجزيرة