جانب من ندوة "في الفن والدين" على هامش أيام قرطاج المسرحية في تونس (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
على امتداد ثلاثة أيام عقدت بالعاصمة التونسية ندوة دولية بعنوان "في الفن والدين"، وتأتي الندوة ضمن محاولات الخروج بأيام قرطاج المسرحية من نمطيتها وانفتاحها على راهن الأسئلة الثقافية في تونس والعالم العربي.
 
وحاول المتدخلون في هذه الندوة من تونس وبلدان عربية وأفريقية تفكيك أشكال العلاقات التي تربط الدين بالفن من خلال عدد من المقاربات العلمية -في مجملها- جاء بعضها بالعربية وبعضها بالفرنسية. وشارك فيها عدد مهم من الأكاديميين والنقاد والباحثين في الجماليات والسينما والمسرح والحضارة العربية والأدب العربي والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة وعلم النفس، وعدد من الأدباء والفنانين.
 
د. العادل خضر تحدث عن النزاع بين الدين والفن حول السيطرة على المرئي (الجزيرة)
التلازم والتنافر
وأجمع كل المحاضرين على علاقة التلازم بين الدين والفن، بدءا بالمداخلة الافتتاحية للأستاذ عياض بن عاشور حتى آخر محاضرة للناقد المصري محمود قاسم، فالدين كان الفضاء الرحمي لنشأة الفن في مجمل الديانات، كما كانت فضاءات المؤسسة الدينية أهم فضاءات تمظهر الفن.

وفي مداخلته بعنوان "الدين والفن بين التآزر والتنافر" قال عياض بن عاشور أستاذ القانون العام وفلسفة القانون والمختص في الأفكار السياسية في الإسلام إنه لا يمكن عزل الدين عن الفن وعن السياسة، كل دين في حاجة ماسة للتحول من الجوهر إلى الشكل بجميع الأصناف من نحت ورسم وغناء وشعر ونثر ومسرح، والا فما معنى المعابد واللوحات والتماثيل في ما يسمى بالفن المقدس؟ إن ما يشاهد في المعابد والكنائس هو تمازج بين الصناعات الفنية والتعبير الديني".

وذهبت بعض المداخلات في الندوة إلى أن الفن حتى في تماسه المباشر مع المؤسسة الدينية كان متمردا. وحاولت الأستاذة حياة عمامو المختصة في الإسلام المبكر عندما تناولت صورة القرآن في الخط العربي، أن تثبت بالصور أنه حتى الفن الذي نشأ في صلب الدين كالخط العربي تمرد على بعض ما حرمه الدين نفسه، فما نهى عنه الدين من تصوير الوجوه والحيوانات قام به بعض الخطاطين فأصبحنا نرى صورا لخيول وطيور وأسماك وغيرها مرسومة بالخط العربي. 

أما الفنان الحبيب بيدة فيرى أن مقولة التحريم -وخاصة ما عرف بتحريم الدين للتصوير- بدعة كبرى، محاولا العثور في تراثنا العربي الإسلامي على ما من شأنه أن يؤيد نظريته التي تقول بأن الفنان في محاولة محاكاة الإبداع الإلهي في خلقه تأكيد لإنسانيته الكاملة التي تؤهله لأن يكون خليفة في الأرض.

في المقابل يوسّع العادل خضر أستاذ الأدب العربي من مفهوم الصورة بترهينها ضمن مآزقها اليومية.

وتعمق الباحث في ضروب استيلاء الفن على ما تخلى عنه الدين في ظل الارتباكات الكبرى التي يعيشها العالم اليوم. فأصبح النزاع كما يرى الباحث بين قوّتي الدين والفن حول السيطرة على المجال المرئي أو التحكم فيما نرى وكيف نراه، وهو صراع حول ما سماه بالمناعة الرمزية.

ظلت الندوة -على نبل مقاصدها، في مجملها- تلامس الموضوع في أصوله ولم تقم بترهينه ضمن سياقات اليومي والراهن إلا في ما ندر من المحاضرات التي حاولت التوفيق بين البحث في الأصول ومقاربة الواقع

الفرجة والجمال
أما أستاذ الجماليات المسرحية عبد الحليم المسعودي فقد بين في مداخلته بعنوان "المحاكاة في الزمن المحمدي تأملات في لبنات ضائعة" أن البحوث والاكتشافات الأركيولوجية الجديدة أعادت الاعتبار للفن الإسلامي وأسقطت عنه ما لحق به من اتهمات بتحريم الفن.

وأشار إلى أن هذا التحريم "يجب تنزيله في راهنيته عبر إدراكه ضمن فكرة المقاصد والمتمثلة في الأصل في السعي إلى ضرب إمكانات العودة إلى عبادة الأوثان وما يتعلق بها من شرك وتهديد لفكرة التوحيد. فالتحريم هو المنع المادي للشرك بالله".

وركز الباحث بعد ذلك على مفهوم اللعب والفرجة من خلال التاريخ المحمدي وأعطى أمثلة عديدة على تسامح الرسول وإباحته لضروب عديدة من الفرجة والرسوم والصور واللعب. وكانت السيرة النبوية مرجعا أساسيا لمداخلة المسعودي التي جاءت في محاولة للحسم في حقيقة الإباحة من تاريخ التحريم الوضعي للفن واللعب والفرجة.

وفي السياق العام ظلت هذه الندوة -على نبل مقاصدها، في مجملها- تلامس الموضوع في أصوله ولم تقم بترهينه ضمن سياقات اليومي والراهن إلا في ما ندر من المحاضرات التي حاولت التوفيق بين البحث في الأصول ومقاربة الواقع اليوم وضرورة إيجاد علاقة جديدة بين الدين والفن من خلال فهم أصول الالتباس.

كما لوحظ  حضور أنصار حرية الفن وغياب الطرف الثاني المتمثل في أصحاب الرؤية الدينية "المتشددة" منها و"المعتدلة" في موضوع الفن، فكانت الندوة في مجملها عزفا منفردا لنفس النغم "الدين الإسلامي لم يحرم الفن"، عدا المحاضر السعودي أبو بكر أحمد باقادر الذي وصف بعض الفنون بالقبيحة والمبتذلة.

وتبقى هذه الندوة -على ما عرفت من ارتباكات- محاولة متميزة لخلخلة السائد من المهرجانات وطرح الأسئلة المتنوعة من أصوات ثقافية وأكاديمية مختلفة، وكل ذلك تمهيدا للمهرجان لأن مثل هذه الندوات لن تنجح خلال أيام المهرجان التي ينشغل فيها الجمهور بالعروض.

المصدر : الجزيرة