ابتسام المتوكل: للمرأة المبدعة لغتها الشعرية المختلفة عن لغة الرجل (الجزيرة)
حاورها/عبد الغني المقرمي
 
في تجربة الدكتورة ابتسام المتوكل الأدبية يتماهى الجمالي بالرسالي في خطاب شعري، يستحضر هواجس نون النسوة، ويحاول حثيثا اجتراح فضاءات فنية جديدة تنتصر لأشواق الإنسان.

وعبر محطاتها الشعرية: "شذى الجمر"، و"يشبه موتها" و"فلأكن صديق العائلة"، تحاول المتوكل -التي تعمل أستاذة محاضرة في كلية الآداب بجامعة صنعاء- أن ترسم عالما شعريا نقيا، حاولنا نحن معها في هذا الحوار أن نقف على بعض أسراره:

بعد صدور مجموعتك الأخيرة "أرى عماي" إلى أين وصلت بكِ القصيدة؟


- لو وصلت بنا القصيدة إلى نقطة نكون قد توقفنا.. وأعتقد أن كل نص شعري هو محاولة للوصول، وفي الإبداع عموما تظل المحاولات أجمل من الوصول، ولهذا فنحن نكتب كي نحاول، لا لكي نصل، وقد جعلتني مجموعة "أرى عماي" أفكر كيف يمكن لقصيدتي أن تتجاوز نفسها، وأن تجترح عوالم شعرية جديدة، إبداعا وتجريبا.

على ذكر التجريب.. أنت متّهمة بالتأرجح بين أكثر من قالب شعري.


طبيعة الحياة لدينا لا تشجّع على الاشتغالات الطويلة، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الحالة بشكل أكبر على تجربة المبدعة اليمنية لأسباب أكثر تعقيدا

- في اعتقادي أن تهمة كهذه تقال للأطراف المنغمسة في الصراع بين الأشكال الشعرية، وليس لي علاقة بذلك، فالشعر بالنسبة لي هو الشعر أينما كان، والشكل ليس إدانة مسبقة، وفي اعتقادي أن الحكم على قرب الشاعر أو بعده من الحداثة في ضوء قوالبه الشعرية حكم موقفي، وليس موضوعيا.

فالبردوني على سبيل المثال حاضر بيننا اليوم بقوة وتفرد، رغم أن حمولة قصيدته ترتكز على قالب كلاسيكي عمودي، وبالتالي فإن الشكل وعاء حيادي ليس أكثر.

كيف يمكن أن نوفق بين نظرتك الحيادية للقوالب الشكلية وبين دعواتك الكثيرة إلى تأنيث القصيدة؟

- هذا موضوع آخر.. ينطلق من خصوصية المبدع، فحينما نسلّم أن لكل شاعر فضاء متفردا في الكتابة، وبصمة تميّزه عن غيره، نسلّم أيضا أن للمرأة المبدعة لغتها الشعرية الفارقة عن لغة الرجل، وأنا هنا أدعو إلى إفساح المجال لإحساس الأنثى للظهور في القصيدة، لأن مشكلتنا أننا تلقينا تراثا ذكوريا، فكتبنا بوعي لغوي ذكوري، حتى اعتقد البعض أن وجه القصيدة سينكسر لو أنِّثت الضمائر فيها.

وإذا كانت لغتنا الحياتية اليومية قائمة على فروق بين خطاب الرجل وخطاب المرأة، فينبغي أن نسمح لهذه الفروق بالظهور في القصيدة، كي يتجاور التذكير والتأنيث فيها لأن هذا هو تجاور الحياة، وبما يضيف تنوعا وغنى لزاوية الرؤية، وبما يسمح للنصف المهمش لقرون متطاولة أن يتحدث بلسانه دون وسيط.

ومع تقديري لتجربة نزار قباني في سوريا ومحمد الشرفي في اليمن في انحيازهم لقضايا المرأة، فأنا أرى أن الأصل أن تتحدث المرأة نفسها عن قضاياها، وهذا ما أردته من دعوتي لتأنيث القصيدة.

يلحظ المتأمل في تجربتك دفاعا مستميتا عن قضايا المرأة، لكن بنيتها الخطابية تلبّست بالغموض كثيرا مما يجعلنا نحكم بنخبوية جمهورك الشعري في حين أن السواد الأعظم ممن هو معني بهذا الخطاب مغيّبٌ عنه.. ألا يعني ذلك تعارضا بين نخبوية الشعرية وعمومية القضية؟

الحكم على قرب الشاعر أو بعده من الحداثة في ضوء قوالبه الشعرية حكم موقفي وليس موضوعيا

- الانحياز لقضايا المرأة شيء طبيعي في تجربتي الشعرية، فلا يمكن التحليق بعيدا عن واقع ما زالت المرأة تعيش فيه بأقل من نصف حقوقها، بدءا بتزويج القاصرات، وانتهاء بحرمانها من التعليم والميراث ومن كل ما يلغي حضورها.

أما عن التعارض بين الشعرية والقضية، فالقصيدة في نهاية المطاف موقف جمالي منحاز للإنسان، ويتبنى إعادة الاعتبار لكل ما هو جميل، على أن لا تقع في فخ المباشرة، فتتحول من خطاب شعري إلى خطاب سياسي أو اجتماعي، وهذه معادلة دقيقة قد ينجح فيها الشاعر وقد لا يحالفه النجاح.

وكثير منا لا يوفّقون في هذه المعادلة، إما انحيازا للجمالية فلا تصل الرسالة، وإما انحيازا للرسالة على حساب الجمالية فيكتب خطبة عصماء ولكنها ليست قصيدة، وأنا لا أريد هنا أن أمنح قصائدي شهادة بالنجاح أو الفشل، لأنني أترك هذا للقارئ، ولكني أتمنى أن أكون قد انحزت للجمالي والفني وبما لا يعني التخلّي عن الانتصار لقضايا المرأة.

في المنجز الثقافي النسوي في اليمن يلاحظ تسيّد الشعري والسردي على النقدي، فما سر انقطاع الأديبات اليمنيات عن منابر النقد؟

مشكلتنا أننا تلقينا تراثا ذكوريا، فكتبنا بوعي لغوي ذكوري، حتى اعتقد البعض أن وجه القصيدة سينكسر لو أنِّثت الضمائر فيها

- هذا صحيح.. لكن لو نظرنا إلى المدرسة النقدية اليمنية عموما لوجدنا النقاد قليلين، وباستثناء الدكتور عبد العزيز المقالح والدكتور عبد الله البار يمكن القول إن المشهد خال من النقاد.

صحيح أن هناك كتابات كثيرة، لكن الانطباعية تغلب عليها، ولا تمثِّل مشاريع نقدية موازية للإبداع، فطبيعة الحياة لدينا لا تشجّع على الاشتغالات الطويلة، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الحالة بشكل أكبر على تجربة المبدعة اليمنية لأسباب أكثر تعقيدا.

أين تكمن مشكلة الأديب اليمني اليوم؟ وكيف تستشرفين مستقبله في ظل هذا الواقع المأزوم سياسيا وفكريا؟

- مأساة الأدب اليمني تكمن في عدم انعتاقه من المشاريع المجاورة، وكتابنا كلما لوّح لهم بمغنم أو بمنصب ذهبوا إليه، واضعين رقابهم تحت مقصلة الفرز السياسي والمذهبي، وهذه الانشغالات حولتهم إلى سياسيين مؤدلجين.

فكيف نأمل تعافيا لمشهد لا يسير بمعزل عن جزرة السياسة وعصاها أيضا، في وضع تمارس فيه الخنادق غير الثقافية استقطابا حادا للأدباء، ومن ثم قل الأدباء الذين يضعون الانتماء للأدب وجمال الأدب وإنسانية الأدب على رأس أنشطتهم وإبداعاتهم، وهذه مؤشرات واضحة لمستقبل كارثي سيخسر فيه الأدب، ولن تكسب فيه السياسة.

المصدر : الجزيرة