"ماذا جرى للمتوحش الأبيض".. عن الإنسان نقيّا
آخر تحديث: 2013/11/18 الساعة 16:59 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/16 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/11/18 الساعة 16:59 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/16 هـ

"ماذا جرى للمتوحش الأبيض".. عن الإنسان نقيّا

غلاف الترجمة العربية لرواية "ماذا جرى للمتوحش الأبيض" للفرنسي فرانسوا غارد (الجزيرة)
هيثم حسين
 
يسعى الفرنسي فرانسوا غارد إلى تقديم تصوّر مختلف لمفاهيم الحضارة والهمجية والتوحش في روايته "ماذا جرى للمتوحش الأبيض؟" التي يعود فيها إلى منتصف القرن 19 لينقل مفارقات الماضي والحاضر، ويثير السجال بشأن كثير من الأمور المتعلقة بالزمن والبشر في أماكنهم وممارساتهم وأفكارهم.

تتمحور الرواية -التي نشرتها دار نينوى السورية بترجمة بشرى أبو قاسم- المستوحاة من قصة واقعية حول سيرة "نارسيس بيللوتي"، وهو بحار من سفينة الصيد "سان بول". حيث تُرك في جزيرة نائية في عمق المحيط بعد أن غادرت سفينته ليعيش هناك ثماني عشرة سنة وتبقى مجريات حياته هناك لغزا يسعى الكاتب إلى فك رموزه.

يسلّم غارد مهمة الروي إلى راو عليم هو "أوكتاف" الذي يكون في جولة استكشافية في أستراليا يتعرف إلى "نارسيس" الذي عاش بين المتوحشين عاريا وتغطي الوشوم جسده، وتعلم الصيد من مضيفيه وفقد لغته الأم، يتخيل بدايات أسطورة المتوحش الأبيض. وكيف أن "نارسيس" أطلق صرخة مدوية حين اكتشف أنه وحيد في تلك الجزيرة المنعزلة، وتصرف كما لو أن جنونا مسه، وحين أيقن الوضع الذي حل به، انتابه الخوف واليأس.

يتقاطع غارد في بعض تفاصيل رسم شخصية بطله مع شخصية "روبنسون كروزو" التي أبدعها دانيال ديفو، والتي أصبحت مثالاً لأبناء الأدغال، لكنه يفترق عنه في المعالجة والطرح، ولا سيما في الإحالة إلى الواقع والإشارة إلى المستقبل.

يشير الروائي الفرنسي إلى ضرورة التفكير في الإنسان بشكل مختلف، بعيدا عن الأحكام المسبقة والنعوت التي تنال من الآخر قبل التعرف إليه واكتشافه

ثنائية
يتوجه الروائي في مسارين يلقيان الأضواء على مفهومي الحضارة والتوحش عبر رحلتين تسعيان للإحاطة بالصورة الكاملة لحياتين مختلفتين وواقعين متناقضين، رحلة نحو الماضي لسبر أغواره، وأخرى في الحاضر والمستقبل لرصد التغيرات والتكهن بها.

الأولى تصور حياة "نارسيس" في حضن قبيلة من المنطقة وتروي كيف أمضى بينهم تلك السنوات وأصبح واحدا منهم ويسمى "أمغلو". والثانية تحضر عبر الرسائل التي يكتبها أوكتاف إلى رئيس الجمعية الجغرافية في باريس ليوضح له التطور الذي تشهده مغامرته مع المتوحش الأبيض الذي غابت تقاليد حياته كبحار مع أشرعة سفينته الغائبة.

تكتمل الرحلتان باختيار نهاية مؤلمة مفتوحة، إذ يختفي نارسيس بعد بقائه لسنين في ميناء حيث افترض أنه سعيد، ويرحل أوكتاف الذي يوصي بجزء كبير من ثروته لنارسيس وابنيه المفترضين في حال العثور عليهما.

وكأن التيه الذي ابتدأت به الرحلة والرواية يكمل مساره نحو العالم الآخر بالاختفاء والموت، لتبقى أسطورة المتوحش لغزا متجددا يبعث على النبش والتنقيب واكتشاف العالم بعيدا عن الأحكام المسبقة المقيّدة.

يتوقف غارد عند حضارة المتوحشين في تعاملهم مع الجنس والمال والأملاك وفنون القتال، ويشير إلى ضرورة التفكير في الإنسان بشكل مختلف، بعيدا عن الأحكام المسبقة والنعوت التي تنال من الآخر قبل التعرف إليه واكتشافه.

ويشير إلى مشقة التأقلم مع ظروف البيئة وقسوتها ووحشيتها ولا سيما حين تكون رحلة العبور مركبة، كنارسيس الذي عبر مرتين بين هذين العالمين، فكان عليه أن يلقي حياته كبحّار في النسيان ليحيا بين المتوحشين، ثم لاذ إلى فقدان إراديّ للذاكرة لئلا يكابد سياط التعذيب مجددا بعودته بين أبناء عرقه.

يقارب غارد مفاهيم مجردة وأبعادها وتأثيراتها كالسعادة ومفهومها بالنسبة للمرء، عيش أم إيهام؟ السلام وجوهره، الإنسانية وتجلياتها، المنطق الافتراضي ومفاهيمه

مواجهات ومفارقات
يصف غارد من خلال المواجهات التي يختبرها، التناقضات التي يعيشها البشر في مجتمعات مغلقة تدعي الانفتاح، إذ يصادف أوكتاف في مسألة إعادة تأهيليه لنارسيس من يتهم نارسيس بما ليس فيه وينال منه، وهناك من يتعاطف معه. ثم كيف أن لقاءه بالإمبراطورة حمل جانبا من المكاشفة والصراحة التي قد تُوصَف في مجتمع البيض بالوقاحة.

يقارع الروائي كأبطاله الأسئلة، تتنامى لديه مشاعر التعلق ببطله، يعقد نوعا من المقارنة بين حياته وسط مَن يفترض أنهم متوحشون وبين البيض الذين اختلقوا الذرائع لإيذائه والتنكيل به.

ويستعيد كيف أن زمن المعاناة والمنفى أفضى إلى نهاية تتمثل في الضياع وسط العالم الذي يفترض به حمايته واحتضانه، كما يحرّض للبحث عن جذور الوحشية في المجتمع الحديث الذي يتباهى بتطوره وينعت الآخرين المختلفين عنه بالوحشيّة.

يقارب غارد مفاهيم مجردة وأبعادها وتأثيراتها كالسعادة ومفهومها بالنسبة للمرء، عيش أم إيهام..؟ السلام وجوهره، الإنسانية وتجلياتها، المنطق الافتراضي ومفاهيمه، ولاسيّما أن بطله ترنح بين الخوف والألم والظمأ والسأم والتعب واليأس والضغينة والضرب، تتالت على فؤاده المنهك واجتمعت عليه أحياناً، بحيث رفض الكلام لأن ذلك كان يعني التحدث عن تلك الأيام التي لا توصف، الكلام يعني سرداً لذكرياته ليصبها في قوالب من الكلمات.

الكلام يعني له الموت لأنه عاجز أن يحيا عالمين في آن واحد، ولأنه عاجز أن يكون متوحشا وأبيض في الوقت نفسه. ماذا جرى لنارسيس خلال تلك السنوات؟ كيف أصبح متوحشاً؟ هل استطاع أوكتاف فالومبران فك رموز اللغز أم أنه أضاف إليه رموزا جديدة؟ أسئلة يبقيها الروائي معلقة في بحر الاجتهاد والمحاولة.

يُذكر أن غارد تولى منصب السكرتير العام في حكومة كاليدونيا الجديدة، وهو مساعد رئيس المحكمة الإدارية في ديجون. حازت روايته المستوحاة من قصة حقيقية على جوائز عالمية عدة، من بينها جائزة الرواية الأولى من غونكور من الأكاديمية الفرنسية.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات