غلاف رواية "حارة السفهاء" للتونسي علي مصباح (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس

لم تنس الإقامةُ في فضاءات صاحب "هكذا تكلم زرادشت" وعوالم الترجمة الكاتبَ التونسي علي مصباح وجهه الإبداعي، ظل يكتب بالتوازي مع نشاطه في الترجمة قصصا وروايات ويدوّن رحلاته التي ينطلق فيها من برلين حيث يقيم منذ عام 1989 ليجوب الأرض شرقا وغربا، وقد سبق أن حصل صاحب "مدن ووجوه" على جائزة ابن بطوطة أو ارتياد الآفاق في أدب الرحلات.
 
بقي قراء علي مصباح "السارد" ينتظرون نصوصه السردية منذ سنوات في مجلات عربية عريقة في وقت ظل فيه الكاتب عازفا عن النشر أو مؤجلا له دون موعد معلوم، حتى أطل علينا في معرض تونس الدولي للكتاب مؤخرا بعمل روائي ضخم بعنوان "حارة السفهاء" عن دار الجمل التي سبق أن نشرت له كل ترجماته لنيتشه "هذا هو الإنسان" و"غسق الأوثان" و"هكذا تكلم زرادشت" و"نقيض المسيح".
 
رواية علي مصباح تحقق نجاحا لافتا بسبب موضوعها من ناحية الذي يرصد تاريخ تونس الحديث روائيا، وبسبب أسلوبه الأدبي المتميز من ناحية ثانية، فجاءت "الحارة" عملا روائيا ضخما يقتحم به الكاتب بوابات الرواية اقتحاما يليق بما قضاه من سنوات في الكتابة ومداورة الحرف وصقله وسبك النص وتشذيبه.
"حارة السفهاء" عمل روائي ضخم يقتحم به الكاتب بوابات الرواية اقتحاما يليق بما قضاه من سنوات في الكتابة ومداورة الحرف وصقله وسبك النص وتشذيبه
كتابة التاريخ الحي
إن الشروع في قراءة رواية علي مصباح هو شروع في التذكر، فالأحداث التي يرويها هي تاريخ الانقلاب على الرئيس الأسبق الحبيب بورقية وبداية الفترة الدكتاتورية السوداء، فتنفتح الرواية على مشهد بورقيبة الرئيس العجوز -دون ذكر اسمه- على محفة يركضون به نحو حتفه السياسي داخل القصر الذي سقط في يد وزيره (وزير السراويل الداخلية)، كما أسماه الراوي، المنقلب عنه.
 
تنطلق الرواية بعد ذلك مطاردة ضروب تفاعل الشعب والنخبة السياسية منها والثقافية مع هذا الانقلاب، ليكشف مصباح في عمله الأدبي الخالص كيف شارك جميع التونسيين في صناعة الدكتاتور الذي سيجثم على قلوبهم قرابة الثلاثين سنة.
 
لا يدين مصباح طرفا بعينه فيما جرى لتونس، بل يدين الجميع يسارا ويمينا، وشعبا بأكمله، نخبة وقاعا، فالرواية تقدم الجميع بوصفهم مشاركين فيما جرى لهم، فهم تواطؤوا جميعا لنصرة الانقلاب الذي تحول بقدر قادر إلى تغيير، وتحول الانقلابي إلى بطل ومهدي منتظر وصاحب البركات.
 
نجح الروائي أيما نجاح في اقتحام الفضاءات المحظورة واستنطاقها، فضاءات السيادة والحكم ليكتب عملا مهما في الأدب السياسي يذكرنا برائعتي "الجنرال في متاهته" و"خريف البطريرك" لغارسيا ماركيز و"السيد الرئيس" لميخيل أنخل أستورياس وغيرها من الروايات التي رسمت ملامح الدكتاتور روائيا.
 
على امتداد أكثر من 400 صفحة يكتب علي مصباح وقائع "حارة السفهاء" أو تفاصيل بناء التراجيديا التونسية بأسلوب مرح ساخر، مركزا على المفارقات ومصورا كوميديا مهزلة القصور وموائد ومآدب بيع الذمم في مشاهد ضاحكة تنسب في المسرح والسينما للكوميديا السوداء.
 
وبهذا الأسلوب نفسه يرسم لنا صورة الدكتاتور الناشئ الذي انقلب على الحكم وسلم نفسه للقصر مشدوها فهللت له النخبة حتى استفاق من سكرة الانتصار وقام يضبط الفوضى ويرسي النظام وفق ما يوحي به القرد "بوقيس" الذي اصطفاه مستشارا أول له من دون الخلق.
لا يمكن للقارئ العربي المتعود على ما يسمى بالبطل الإشكالي في الرواية العربية الكلاسيكية أن يعثر على ضالته في رواية علي مصباح، فالبطولة ليست للأشخاص إنما للمجموعة ولجماعات المهمشين
الكتابة المرحة أو المسخرة
لقد أخرج مصباح ما يمكن أن نطلق عليه بالمسخرة -تقفية على كلمة "ملحمة"- وصف تنتزعه الرواية من أصالة أسلوبها الذي كان عصارة الأدب الساخر عالميا وعربيا من الجاحظ و"دانتي" و"علي الدوعاجي" و"الفداوي" التونسي، فالرواية تستعين في رواية أحداثها بالفداوي حكاء الساحات العامة وحلقات الحكي بأزقة تونس المدينة العتيقة.
 
وباستدعاء علي مصباح هذا الراوي تحول الحكي إلى بطل من أبطال الحكاية، لأن الراوي "طويل اللسان" ناطقا بما لا يجرؤ على قوله العامة الرازحة تحت القمع وعصا البوليس، بينما هو لا يتردد في قول المحظور حتى وإن قطع عليه أرباب النظام حكيه وقادوه إلى المخفر لتلقينه كيفية احترام النظام.
 
وعلى الرغم من أن "حارة السفهاء" قد كتبت منذ سنوات، كما يشير إلى ذلك التاريخ في آخر الكتاب، فإن هذه الرواية يمكن أن تقرأ بها واقع تونس الحالي، وقد جند لها أستاذ علم الاجتماع علي مصباح كل وعيه، ليكتب سيرة الوعي الشعبي الذي بدا في الرواية وعيا قطيعيا ووعيا شقيا بحكامه.
 
فسرعان ما تهرع المعارضة كما الجوقة لمبايعة الانقلابي وتوهم نفسها أنه نتيجة نضالها وأن القدر هوّن عليها المسير ليتحقق الحلم على يده. بينما ترفعه العامة انتصارا لهم، فهو واحد منهم ولكنه ليس منهم تماما، هكذا يقنعون أنفسهم ببركاته وخوارقه، فهو خارج من بينهم لكنه المصطفى.
 
نص مفتوح
لا يمكن للقارئ العربي المتعود على ما يسمى بالبطل الإشكالي في الرواية العربية الكلاسيكية أن يعثر على ضالته في رواية علي مصباح، فالبطولة ليست للأشخاص إنما للمجموعة ولجماعات المهمشين وقطاع الطرق والمجرمين الخطرين وأصحاب السوابق من "بولحية" و"بوركبة" و"الدنكري" و"ولد حليمة" و"المشلط" و"المكشخ" و"بودبوس" و"الكابو" وهو الرئيس المخلوع بن علي و"خالتي دوجة" الكائن الثابت في زمن التغيرات.
 
وهي بطولة للقرود والمآكل والمشارب والمطاوي والحارات والمواخير والحانات وإسطبلات الحمير والبغال ومهالك الرجال والنساء. وهي في آخر المطاف بطولة تونس الخلفية، تونس الحقيقية بكل جروحها وخدوشها وأحلامها الجديدة وأحلامها القديمة المنهوبة من المرتزقة من أعلى الطبقات إلى أسفلها.
 
على قارئ "الحارة" أن يتخلص من أدواته التقليدية في قراءة الرواية التي تنزع نحو تأصيل خطابها في موروثنا السردي من ناحية، ذاهبة في الآن نفسه نحو إرباكه برؤية حداثية للعالم ولمراجعة الذات وإقامة العالم بعد تفكيكه وتأسيسه من جديد بعد أن يأخذنا في رحلة مؤلمة للمكاشفة، بعضها في المكان وبعضها في الإنسان.
 
وهناك فقط، بعد الانتهاء من قراءة هذا الهدير من السرد الرحلي والفلسفي والسوسيولوجي والسياسي تتشكل صورة الكاتب علي مصباح الساخر مثل الحاوي يعيد "كوبراه" السردية إلى مرقدها ويعلن نهاية الحكاية على بدايتها، فيقفز على كتفه قرد الرئيس ومستشاره ليمضي مغنيا أو هاتفا:" يا مخدوعين، ويا مخدوعات، لم يمت رأس الغول، بل سلخوه وألبسوه جلد تمساح. وغدا سيسلخونه من جديد ليلبسوه جلد قرد، ثم جلد ثعلب.. حكمة الله في خلقه: دوائر تدور...".

المصدر : الجزيرة