أدوات صحية حوّلها عقيل خريف إلى عمل فني (الجزيرة نت)
علاء يوسف-بغداد
 
لا يستنكف الفنان التشكيلي العراقي عقيل خريف الخوضَ في النفايات المنتشرة بالعاصمة بغداد، ليختار منها ما يناسب أفكاره ويبث فيه الحياة والجمال، محولا المهمل والمتروك والقبيح إلى عمل فني جذاب يمحو جزءا بسيطا من الخراب والدمار الذي انتشر في أرجاء مدينته بعد العام 2003.
 
يحترف "خريف" فن التجهيز أو التركيب الذي يعتمد على مواد مختلفة لتجهيز أعمال تشكيلية متنوعة، ورغم اتهامه بالجنون من طرف أقرب الناس إليه، فإنه شق طريقه المحفوف بالمخاطر بنجاح في ما يسمى "فن التركيب".
 
يستحضر الفنان العراقي ذلك النمط الفني الذي اشتهر في الدول الغربية مع بداية القرن العشرين، وخاصة تجربة الفنان الألماني روبرت روشنبرغ الذي أنجز أعمالا مميزة أصبحت خالدة في أذهان أغلب الناس، والفنان غاسبر جونز الذي وضع الأسس لفن "البوب".  

وبعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، بدأ خريف يمارس هذا الفن عندما شاهد أجزاء من دراجة هوائية مرمية في الشارع وسط حالة الفوضى التي ضربت البلاد، فخطرت له فكرة تحويلها إلى عمل فني يبقى خالدا في ذاكرته، ولكي يرتبط -كما يقول- بحقبة عصيبة وبأيام حزينة يعيشها العراق والدبابات الأميركية تجول وتدمر وتخرب كل شيء.

خريف ينجز أحد أعماله الفنية
مستعملا أجزاء من دراجة هوائية 
(الجزيرة نت)

نمط مختلف
يقول خريف في حديث للجزيرة نت إن أفكارا عديدة بدأت تخطر على باله بعد إنجازه العمل الأول، مما اضطره للبحث عن أدوات لأعماله الجديدة في أماكن النفايات بمناطق المعامل والميدان وسط بغداد القديمة وسوق مريدي -وهو من أشهر أسواق المناطق الفقيرة- وغيرها، إلا أن البعض اتهمه بالجنون، كما عارضه الأهل والأصدقاء بشدة عندما شاهدوه يجوس خلال النفايات.

تحدى خريف عوامل الإحباط والرفض الاجتماعي واستطاع إنجاز أكثر من خمسين عملا بمواد مختلفة، مثل برادة الحديد والخشب وقناني المشروبات الغازية والبلاستيك، إلا أن أكثر شيء استخدمه في أعماله مواد الدراجة الهوائية.

يرسم الفنان العراقي فكرة العمل على ورق ومن ثم ينفذها بأدواته، وتحمل أغلب أعماله صرخته ضد الواقع الذي يعيشه العراق والصراعات التي أدت إلى تغيير في المفاهيم العامة التي كانت سائدة على أصعدة السياسة والثقافة والمجتمع.

وعلاوة على المعاني الفنية، تهدف أعماله إلى خلق بيئة سليمة عبر استثمار كل ما هو مهمل لتحويله إلى عمل يخدم المجتمع، لأن الأشياء المستهلكة التي يرميها الناس في الشوارع غيّرت ملاح المدينة كما يقول.

من أعمال التجهيز التي أنجزها عقيل خريف
(الجزيرة نت)

من الواقع
ولأعمال خريف جمهور من عامة الشعب العراقي، وخاصة المهتمين بالبيئة من منظمات وطلاب قسم البيئة في كليات الهندسة، وقد أقام معرضيْن أولهما في وزارة البيئة عام 2011 واقتنت الوزارة أعماله، والثاني في أروقة كلية الهندسة بالجامعة المستنصرية، كما شارك في مهرجان بينالي للفنون التشكيلية بإيطاليا، ويسعى في بداية العام القادم إلى إقامة معرض شخصي يجمع فيه عددا كبيرا من أعماله.

وعن تجربة خريف يقول الناقد التشكيلي الدكتور شوقي الموسوي في حديث للجزيرة نت إنها تتحدث عن طروحات ما بعد الحداثة، إذ يعتمد فكرة التفكيك ثم التركيب لأنه يجمع المواد غير المتناسقة ويجعلها في جسد واحد تعطي أفكارا عديدة يستطيع المتلقي تفسيرها بأشكال مختلفة.

ويرى موسوي أن الفنان العراقي الشاب يعتمد في بعض الأحيان يعتمد على المواد الجاهزة في أعماله، وهو لا يقول كل شيء في منجزه التشكيلي، وإنما يترك التفسير للمتلقي الذي يصبح منتجا ومشاركا في العملية الإبداعية، وليس مستهلكا كما في المدرسة الانطباعية.

وأشار إلى أن خريف يطرح أفكاره بصورة جميلة وبانورامية وتخص الوطن والاحتلال والإنسان وتسخر من الوقع العراقي بعد عام 2003 بشكل ذكي، فهو قريب إلى المجتمع بأعماله التشكيلية التي يقتنص موادها من الواقع ليعبر عن راهن الحال العراقي.

المصدر : الجزيرة