سوريا.. شهادة من داخل الجحيم
آخر تحديث: 2013/11/14 الساعة 13:15 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/12 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/11/14 الساعة 13:15 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/12 هـ

سوريا.. شهادة من داخل الجحيم

 غلاف كتاب " لقد اختبرت الجحيم" (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
لأن التغطية الإعلامية المتوفّرة لمسلسل العنف الدائر في سوريا لا تكفي لكشف معاناة السوريين كأفراد، قررت رئيسة تحرير مجلة "لوموند دي روليجيون" الفرنسية جنان تاغر سرد قصة فتاة سورية تدعى فايزة د. في كتاب صدر حديثا عن دار Plon الباريسية بعنوان "لقد اختبرتُ الجحيم"، ويشكل شهادة مؤثّرة ومباشرة على مدى القمع الذي يمارسه النظام على مواطنيه.
 
وتكمن قوة هذه الشهادة في أسلوب المتكلم الذي اختارته تاغر لها، مما يضعنا وجها لوجه مع فايزة ومأساتها، كما تكمن في تسليطها ضوءا كاشفا، ليس فقط على الثورة السورية الحالية وطريقة تعامل نظام الرئيس السوري بشارالأسد الوحشية معها، بل أيضا على المرحلة التي استبقت هذه الثورة، وشكلت بعنفها المتعدد الوجوه السبب لنزول الشعب السوري إلى الشارع للمطالبة بحقوقه.
 
في مدينة الزبداني التي ولدت فيها، نشأت فايزة في كنف أب موظف اضطر بسبب معاشه البائس، إلى تأجير ساعديه يوميا، بعد دوام عمله لسد رمق عائلته، وأم مثقفة نمّت في أولادها الثلاثة الرغبة في تحصيل العِلم، ونشطت لمساعدة زوجها في منح دروس خصوصية لأطفال الحي.
 
تفسّر فايزة تحوّل التظاهر السلمي في سوريا إلى مقاومة مسلحة بعمليات القتل والتعذيب والإذلال المنهجية التي تعرّض لها المتظاهرون على يد رجال الأمن
فصول الجحيم
ومثل جميع التلاميذ في سوريا، تلقّنت فايزة منذ الصفوف الإبتدائية مبادئ حزب البعث كمادة "ضرورية" مثل القواعد أو الرياضيات، وأدركت باكرا أن خوف الراشدين الثابت حولها سببه رجال المخابرات الحاضرين في كل مكان، وأن الجوع المسلط على أفواه معظم أبناء وطنها هدفه إلهاءهم عن السياسة وحثهم على السعي حصرا خلف لقمة العيش.

وفي سن السادسة عشرة التقت فايزة برفيق دربها محمد، الذي لم يلبث أن يخطبها من أهلها. لكن فرحتها لن تدوم طويلا، فبعد أسابيع قليلة على هذا اللقاء تم توقيف والدها وتعذيبه لمدة ثلاثة أشهر ونصف، علما بأنه لم يمارس يوما السياسة، وكان يتجنب التردد كثيرا على المسجد كي لا يعتقد رجال النظام أنه من التيار الإسلامي.

وفي هذا السياق، تشير فايزة إلى أن مدينتها مثل سائر المدن السورية، كانت تشهد توقيف عشرات الأشخاص سنويا بدون أسباب، فقط لزرع الرعب في قلوب الناس وتحذيرهم من دعم عقيدة أخرى، غيرعقيدة البعث التي لا تقتصر في نظرها إلا على تأليه آل الأسد.

وتعتبر فايزة أن ثورة التونسيين والمصريين على نظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك، هي التي حرّرت الشعب السوري من عقدة الخوف، ودفعته إلى التظاهر سلميا لتحسين ظروف عيشه. وعلى رغم خطر توقيفها واغتصابها من قبل شبيحة النظام، شاركت فايزة إلى جانب محمد ورفيقاتها في جميع التظاهرات التي عمّت مدينتهم.

وتفسّر فايزة تحوّل التظاهر السلمي في سوريا إلى مقاومة مسلحة، بسبب القتل والتعذيب والإذلال المنهجي الذي تعرّض له المتظاهرون على يد رجال الأمن، وقد روى محمد لها هذه الأشياء بالتفصيل، بعد توقيفه أربعة أيام في أحد مراكزالاعتقال.

ففي إحدى الغرف، شاهد رجلا مسنا قيّده ضابط شرطة على الأرض أمام ابنه المدمى، وخيّر هذا الأخير بين الاعتراف وبين إجباره على التبول في فم والده -الذي لم يسلم من التعذيب والإهانة-. وفي "غرفة الجرذان"، شاهد امرأة مصلوبة على الأرض تلتهمها الجرذان وهي حية، بعد أن تم شجّ ساقيها. وطوال فترة توقيفه كان يتناهى إلى مسمعه صراخ المعتقلين أثناء خضوعهم لجلسات الكهرباء، أو لدى تعرّضهم لضرب مبرح بالسوط.

لا تهمل فايزة دور هذه الحرب في إثارة أعنف الغرائز لدى المقاتلين من الجانبين، بدون أن تساوي طبعا بين الجلاد والضحية

دوامة العنف
ولأن الجيش السوري الحر تمكن من استعادة السيطرة على مدينة الزبداني بعد معارك ضارية، تُصوّر فايزة وحشية القصف البري والجوي الذي طاول جميع أحيائها وحصد الأبرياء فيها بالمئات.

كما تروي المحاولات الحثيثة التي قام بها جيش النظام لاستعادتها، مستخدما في هجماته المدنيين كدروع بشرية، قبل أن تلاحظ أن سقوط المدينة، كان سببه هدنة استغلها الجيش المذكور لإدخال عشرات الدبابات إليها، فتبدأ عملية مطاردة واسعة النطاق لشبّان المدينة تنتهي بتصفية معظمهم بدون أي محاكمة وبتحويل المدينة إلى أنقاض.

ولا تتوقف فايزة عند هذا الحد في عملية سردها بل تتناول حال المستشفيات الرهيب في سوريا، الذي اختبرته على أثر مرض والدتها والتنقل بها من مستشفى إلى آخر قبل وفاتها بدون معالجة، كما تتناول آثار الحرب الدائرة على نفسية الأطفال السوريين عبر وصفها المؤثّر لحالة أخيها الصغير حمّودة، الذي أضحى يخاف من أي ضجيج وفقد القدرة على الابتسام أو الضحك بعد موت أمه واعتقال أبيه من جديد.

ولا تهمل فايزة دور هذه الحرب في إثارة أعنف الغرائز لدى المقاتلين من الجانبين، بدون أن تساوي طبعا بين الجلاد والضحية، متوقفة عند مظاهر هذا العنف لدى المدنيين أنفسهم وعند سببه الأول، أي تلك السنين الطويلة التي عاشها الإنسان السوري مقموعا ومذلولا.

وفي هذا السياق، تفسّر تشدّد والدها المتصاعد تجاهها وتجاه والدتها، وبالتالي انصياعه أكثر فأكثر لتوجيهات عائلته الدمشقية المتزمتة، التي ستنغص حياتهم وتقود فايزة في النهاية إلى الهروب إلى لبنان، للالتحاق بخطيبها محمد حيث تتزوج منه وتختبر بمرارة كبيرة حياة اللاجئين السوريين التي لا تطاق خارج وطنهم.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات