الحاج إدريس يبدأ بكتابة الآيات بعد أن يخط أسطرا لذلك (الجزيرة)
 
عاطف دغلس-نابلس

كان يكفي الحاج عمر إدريس (أبو خطاب) بضعة أقلام من الحبر الجاف وسويعات من العمل، يستجمع فيها قواه وتنطلق يداه في خط آيات القرآن الكريم، لينجز وخلال سنوات قليلة مصحفا كاملا، يُظهر فيه احترافا لافتا.

وقد يبدو مستغربا على رجل في العقد الثامن من العمر مثل الحاج إدريس القيام بهذه المهمة، غير أن المهمة كانت "أسمى" كما يقول، وطالما انتظر أن يُقدّم "عملا لله".

وأنجز إدريس عمله الذي سماه "كنز الكنوز" داخل منجرته الخاصة بتصنيع الأثاث الخشبي بمدينة نابلس والتي أسسها منذ العام 1967، "بهداية من الله وبالاستعانة بشيء من الهدوء" وبعض الوقت الذي لم يتوفر بمنزله بمخيم بلاطة، حيث الضجيج والأزقة والمنازل المتلاصقة.

أما عدته وعتاده فلم يكن سوى قلم من الرصاص وبضعة أقلام من الحبر الجاف ورزم من الأوراق المخصصة للكتابة، وقطعة خشبية مربعة الشكل تُعرف بـ"الكليشة" لتحديد الإطار والسطور، فالدقة تعد مطلبا رئيسيا، كما يقول.

ويسرد إدريس حكايته مع القرآن الكريم، ففي أغسطس/آب 2003 راودته الفكرة وقرّر ألا يُضيّعها، لا سيما بعد أن استعان بابنه الأوسط محمد لمساعدته في المنجرة، فشرع في الكتابة حينها لينهي مهمته في ديسمبر/كانون الأول 2007.

 إدريس يستخرج أدواته الخاصة من أقلام وأوراق كتلك التي خط عليها القرآن (الجزيرة)

أدوات
وفي "مملكته الخاصة" حيث نفّذ عمله، التقته الجزيرة نت في الطابق العلوي الذي يحوي مكتبا بسيطا تترامى فوقه أوراق وقطع خشبية ومذياع ومقتنيات خاصة، وأدويته أيضا، وطبقة سميكة من الغبار بات صعبا على رجل في عمره إزالته، وصار هو الآخر شيئا من التراث بالمكان. وبين ذلك كله استطاع إدريس أن يجد لنفسه مساحة صغيرة فارغة بالكاد تكفي لأن يُدّون فوقها كتاباته.

استخرج من درج مكتبه ورقة بيضاء وضع فوقها "الكليشة"، ثم استل قلمه وكتب "الحمد لله رب العالمين"، وقال "بها بدأت وبها انتهيت، دون كلل أو ملل، بل أشعر بشعور يمتزج بين الفخر والحب كلما خططت حرفا".

وكان للعلم الذي نهل منه الحاج إدريس في الكُتّاب (المدرسة التابعة للمسجد) على يد شيخه الضرير عبد الفتاح أثره الواضح عليه، فأصبح طالبا نجيبا ومميزا وهو في سن الرابعة في قريته سلمة قضاء يافا قبل أن يتركها وعائلته مهاجرا عام 1948.

وبحكم كونه دليلا للشيخ في طريقه ذهابا وإيابا، تعلم أكثر واستطاع أن يقرأ القرآن ويرتله بطلاقه على مسامعه، وساعده في ذلك أن والده الشيخ إدريس يوسف كان إماما وواعظا.

وحالفه الحظ أيضا بالالتحاق بمدرسته حتى الصف السابع الأساسي، ووقع عليه الاختيار لإكمال تعلميه بالأزهر الشريف بمصر، إلا أن النكبة وهجرته مع عائلته حالت دون ذلك. يُقاطعنا الحاج إدريس بينما كان يروي قصته ليشير إلى سرير قريب من مكتبه، ويقول إنه كان ملاذا لراحته عقب ساعات متواصلة من الكتابة.

إدريس حرص على الدقة في إنجاز عمله (الجزيرة)

صعوبات
"استغرقت أكثر من هذا الوقت أحيانا، فكل صفحة تحتاج للتفحص مرتين وثلاث، لإضافة التشكيلات المناسبة، والزخرفة للآيات القرآنية".

واحتاج لستة أشهر أخرى بعد الانتهاء من عمله للمراجعة والتدقيق. ويضيف "استعنت بمصحف صوتي أتيت به من مكة المكرمة، ومكثت 180 يوما أدقق في كل حرف وآية كتبتها.

ويشير الحاج إدريس إلى أنه تغلب على صعوبات لغوية ومعنوية واجهته بثقافته وسعة اطلاعه، كما أن كتاباته المتنوعة ونشاطه الشعري وتدوينه لسيرته الذاتية ساعده في إنجازه عمله وإتقانه.

وبات القرآن الكريم الذي خطه إدريس بيده يُشكل إرثا وكنزا له، ومحطة لزوّار كثر، بينهم أكاديميون وطلبة، وطبع منه ثلاثين نسخة قدمها كهدايا.

المصدر : الجزيرة