إبراهيم (على السرير) ووليد في لقطة من فيلم "ساكن" (الجزيرة)

توفيق عابد-عمّان

يروي الفيلم التسجيلي الطويل "ساكن" حكاية شخصيتين: الأولى لمقاتل فلسطيني أصيب برصاصة قناص في بيروت عام 1982 أدت لشلله وأقعدته عن الحركة طيلة ثلاثين عاما ولم يغادر غرفته بمستشفى جيش التحرير الفلسطيني بعمّان مدة 14 عاما.

والثانية لـ"وليد"، وهو شاب من الريف المصري لازمه طيلة إقامته بالمستشفى ونشأت بينهما علاقة إنسانية رغم الاختلاف الثقافي والتوجه السياسي، لكن الأحداث تضيء قيم الصداقة والتضحية بين شخصين جمعهما القدر رغم تناقض ظروفهما، فإبراهيم ينشد العلاج، والشاب المصري قدم للأردن أسوة بآلاف المصريين الذين ينشدون تحسين حياتهم من خلال فرصة عمل.

مدة الفيلم ثمانون دقيقة، وهو يتناول شخصية حقيقية هو المناضل الفلسطيني إبراهيم سلامة طه المنقطع عن العالم إلا عبر هاتفه المحمول وجهاز التحكم بالتلفاز، وصورت نحو 80% من مشاهد الفيلم داخل غرفة بالمستشفى المذكور وما تبقى في قرية أبو شاهين بمحافظة كفر الشيخ المصرية، وهي منطقة زراعية تشبه بيئة فلسطين.

نموذج مثالي
ووفق أحداث الفيلم، فالمقاتل الفلسطيني ترك الكويت حيث يسكن أهله والتحق بالثورة الفلسطينية حاملا حلم التحرير والعودة بالبندقية لدرجة أنه رفض استلام تذكرة سفر من الكويت لبيروت، كما رفض استلام مخصصاته من منظمة التحرير الفلسطينية لأن الثورة بالنسبة له ليست تذاكر سفر أو راتب آخر الشهر أو مخصصات، ولولا إلحاح رفاق السلاح ومتطلبات الحياة لبقي على عناده.

لقطة من داخل مستشفى جيش التحرير الفلسطيني بعمان (الجزيرة)

ويقدم الفيلم نموذجا مثاليا للمقاتل الفلسطيني الذي شارك في عمليات مواجهة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، ورابط على الحواجز في بيروت باعتباره عنصرا ضمن فصيل 34 بقيادة صلاح خلف (أبو إياد) الذي اغتالته جماعة أبي نضال في تونس 1990، لكن الزمن لم يسعفه فأصيب برصاصة قناص في العنق بعد سنتين من التحاقه بقوات الثورة الفلسطينية.

كما يصور الفيلم أحلام المقاتل الفلسطيني وطموحاته ويسجل يوميات "إبراهيم ووليد" ويلقي أضواء على الماضي الذي ينتمي إليه إبراهيم ويقترب كثيرا من أحلامهما وأمنياتهما وما الذي تحقق منها.

وفاة البطل
وحسب المخرجة ساندرا ماضي، فالعلاقات الإنسانية عالم واسع من التوقعات والمفاجآت، وتضيف أنه رغم شلل إبراهيم فإنه متفائل ولم يكن ضعيفا، ولم تكن حالته النفسية منهزمة أو منهارة، ولا أحد يمكن أن يتصور عمق الرابط الإنساني والروحي بين الرجلين، وهذا العمق حالة نادرة يمكن ألاّ نصادفها أو نسمع بها، لذا كان هاجسهما يدور حول ما الذي يحدث إذا انفصلا لسبب ما، وهذا ما ركزت عليه الكاميرا.

ماضي: بطل الفيلم توفي قبل أيام عدة عندما كان تصوير الفيلم بمراحله الأخيرة (الجزيرة)

وكشفت ماضي للجزيرة نت أن بطل الفيلم توفي قبل أيام عدة عندما كان تصوير الفيلم في مراحله الأخيرة، وقالت إن الأفلام التسجيلية تعتمد على الكاميرا المراقبة ولا تتدخل أو تصنع المشهد، و"قد حاولت أن تكون أمينة في نقل المشاهد لتروي الحكاية بشكل سلس وجذاب وفني".

مدلول سياسي
وقالت إنها بحثت عن لحظات إنسانية وحوار بين الشخصيتين لنقل عاطفة أو معلومة معينة، وعندها برزت فكرة الزمن المتوقف، فإبراهيم بجسده المسجى على سرير منذ ثلاثين سنة، يمثل الزمن نفسه للثورة الفلسطينية التي بقيت معلقة بين الحياة والموت.

ولفتت إلى مدلول سياسي يوحي به الفيلم وهو أن "إبراهيم" يرمز للعمل الفدائي الذي لم يكن ارتجاليا بل كان له هدف باتجاه فلسطين، ويحوي الفيلم أيضا شكلا من أشكال الكشف والتوضيح لوضعٍ فلسطينيٍ عام يشغلنا حاليا.

أما المنتجة مجد حجاوي فتحدثت عن أفكار متنوعة لأفلام تسجيلية، لكنها تتخوف من مسألة التمويل لأنه يمثل تحديا كبيرا، مشيرة إلى أن ظروف التصوير لم تكن سهلة "فنحن نصور في موقع عسكري".

يذكر أن فيلم "ساكن" صوّره علي السعدي وأنتجته شركة "كربون أحمر فيلمز" وحصل على منحة مالية من صندوق "بيرثا أدفا" بأمستردام ومؤسسة "الشاشة" في بيروت ومهرجان "الإسماعيلية السينمائي الدولي" و"تقنية تصحيح الألوان" من شركة روما بمصر.

المصدر : الجزيرة