غلاف رواية "عشق السكون" للتركية نورية تشالاغان (الجزيرة)
هيثم حسين
 
تؤسّس التركية نورية تشالاغان روايتها "عشق السكون.. كل امرأة هاجر" على قصة النبي إبراهيم عليه السلام الواردة في القرآن الكريم. تظل وفية للنص الديني ولا تحاول الخروج عما ورد من خطوط عريضة في القصة، لكنها تجتهد فيما يخص دواخل المرأة وتأويل المواقف واستنطاق الشخصيات عبر التكلم بما تخمّن أنه يجول في خواطرها، وتصويرها في بيئتها.

يحضر لدى تشالاغان في روايتها -التي ترجمها أحمد سليمان الإبراهيم ونشرتها دار نينوى بدمشق 2013- تأويل للأحداث التي تتشعّب في رسم خريطة زمنية ومكانية، عبر اقتفاء مسير الشخصيات وارتحالاتها التي لا تهدأ، وكأن الترحال قدر الإنسان في كل الأزمنة، تحكي عن تجلي الأسرار واشتمالها على الكنوز المخبوءة، وتتساءل إن كانت تفسيرات الناس كلها ليست إلا بحثا عن الأسرار الملتفّة حول سرّ الكنز الأزلي.

تصف الكاتبة بعضا من وجوه العشق، تكون لغتها أقرب إلى اللغة الصوفية في توصيفها لحالات الوجد والعشق، وتذكر ما يعكر العشق الصافي من مشاعر تعصف بالإنسان في حالات الضعف وتؤدّي به إلى التبدّد وفقد بوصلة التوازن الروحي، كأن تتنازعه بعض الأهواء وتوقعه في حيرة بين القلب والنفس، بين الأنانية والإيثار، وبين الشك والإيمان، وتسعى للوصول إلى العشق الإلهي الذي لا تشوبه شائبة لتبلغ حينذاك الطمأنينة والسكينة.

تجد تشالاغان أن هاجر حاضرة دوما مع الجميع الذين صاروا يقتفون أثرها وهم يسيرون، ويحاولون التشبّه بها، لأنه دون السير كهاجر لا عمرة تتحقّق ولا حج يكون

استلهام العبَر
تستلهم تشالاغان جوانب من سيرة النبي إبراهيم لتنسج روايتها، وتشير إلى ضرورة استلهام العبر من قصة متفردة، تركز على الأم هاجر شخصية رئيسية، تصور علاقاتها مع سارة التي اختارتها زوجة لزوجها، عسى أن ينعم الله عليه بذرّية صالحة، وكيف أن سارة بدأت تغار منها، وغلب عشقها لزوجها مشاعرها الأخرى، فدفعت إلى هجرتها، لتبدأ رحلة الاغتراب والبحث عن السكون.

تحكي تشالاغان في فصول روايتها الخمسة: "خطوات العشق"، و"المسير وحيدة"، و"كلّ امرأة هاجر"، و"ديار الميم"، و"سرّ العشق"، مقتطفات من حياة الأمّ هاجر والدة النبي إسماعيل عليه السلام، تقدّمها كنموذج للمرأة المضحّية المتفانية، وتسترجع مراحل حياتها لحين هجرتها إلى مكّة وإقامتها فيها.

تتّكئ الكاتبة التركية في ذلك على القصة الدينية، لكنّها تسترسل في توصيف مشاعر هاجر وما كان يعترك في قلبها وروحها في كل موقف كانت تجد نفسها فيه. تبرز إخلاص المرأة لأمومتها ونفسها وزوجها وابنها، وقبل كل ذلك لربّها، وهي التي تتسامى على الضغائن، ولا تفسح أي مجال للغيرة كي تتخلّل روحها فتفسدها وتبقيها في شِراك النميمة والمكيدة والبؤس.

تكشف الروائية أنها تعقّبت آثار المرأة العظيمة هاجر التي جُرّت إلى الصحارى وسارت خلف زوجها إبراهيم إلى منفاها، وتقول إنها شاركتها السير والغربة وكانت صديقتها وأنيستها في ليالها الوحيدة.

كما تصرح عن أسباب حبها لهاجر، وتسوق بعضا منها: أنها كانت امرأة مطيعة ولا تحب النميمة، وتطهّرت من زينة الحياة الدنيا، وتفانت في تربية ابنها وخدمة زوجها وعبادة ربها.

تجد تشالاغان أن هاجر حاضرة دوما مع الجميع الذين صاروا يقتفون أثرها وهم يسيرون، ويحاولون التشبه بها، لأنه دون السير كهاجر لا عمرة تتحقق ولا حجّ يكون.

وتؤوّل كلامها أن كل إنسان في مكة هاجر، وكأن مكة هي هاجر، ومن أجل هذا تراها تعقّبت مسيرتها لسنوات طويلة كي تسير في الحياة مثلها. ولا تخفي انحيازها لها لأنّها هي التي حدّدت أسلوب سيرها وحياتها.

تثير قراءة الروايات بعض الأسئلة حيال الاجتهاد في تأويل الأحداث الموازية للحكايات الكبرى والشخصيات الدينية المقدسة والتاريخية المؤثّرة، والتساؤل عن التكلّم على ألسنتها بنوع من افتراض التعبير عن هواجسها وتصوراتها وآرائها

مناجاة وتماه
تناجي الروائية الأم سارة، تعبّر لها عن خشيتها أن تخفي ما كتبته من كلمات انعكاسات روحها العفيفة، وهي المقدَرة المُعتبرة عند زوجها أبي الأنبياء، وتبرر لها أن شغفها بشخصية هاجر نابع من تلك الروح التي لدى المرء والتي تحب الغرباء والمظلومين، وأن تلك الروح جعلتها تمسك بشفقة بيد هاجر التي بدت من دون سند في وحدتها ووحشتها. وتجد نفسها متماهية معها، متقمصة حالتها ومشاعرها.

تبدي الروائية اعتذارا مسبقَا للقارئ، وتؤكد الحفاظ على الوفاء للأحداث التي ذُكرت والصدق معها، كما تؤكد أن المشاعر التي وردت ليست أكثر من تعبير عما شعر به أبطال الأحداث من مشاعر وأحاسيس، وتنوه إلى وجوب أن تفهَم انعكاسات مشاعر هاجر وسارة من هذه الزاوية.

وقد حاولت من خلال تصويرها شخصيّة هاجر وإحيائها عبر صفحات العمل، الحديث عن جانب الحكمة الكامن في حكاية جرت أحداثها قبل قرون عدة، وتطرح العبرة الواجب اكتسابها وهي أهمية ما نحن عليها اليوم وأين نحن في أحداث هذه الحكاية.

تحتفي تشالاغان في روايتها بعظمة النساء المحيطات بالنبي إبراهيم عليه السلام، ولا تخفي جوانب من الضعف الإنساني الذي كان يجتاح في لحظات بعينها، ثم تحدّي وساوس الشيطان ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء، والتسامي على صغائر الأمور والاتّكال على الله والثقة فيه والإيمان المطلق بمشيئته، دون إبداء أي تذمّر أو تململ.

تثير قراءة الروايات بعض الأسئلة حيال الاجتهاد في تأويل الأحداث الموازية للحكايات الكبرى والشخصيات الدينية المقدسة والتاريخية المؤثرة، والتساؤل عن التكلم على ألسنتها بنوع من افتراض التعبير عن هواجسها وتصوراتها وآرائها.

ولا يمكن إغفال الإسقاطات المأمولة من قبل الروائية على الواقع، كحديثها عن فلسطين التي تصفها بأنها "وطن الهجر والفراق، وطن الصبر، وطن المِحن، وطن القهر، ووطن الألم" ( ص: 69).

كما تحضر إسقاطات أخرى متعلّقة بمصر والعراق ومكة المكرمة، تروم من خلالها الكاتبة استنهاض الهمم للاقتداء بشخصيّات شكلت علامات فارقة في التاريخ بسلوكها وتضحياتها وسموها وإيمانها.

المصدر : الجزيرة