غلاف الترجمة العربية لرواية "ألوان العار" للمصري ألبير قصيري (الجزيرة)
هيثم حسين
 
قضى الكاتب المصري الفرنكفوني الأشهر ألبير قصيري ردحا طويلا من حياته وحيدا ومعزولا في أحد فنادق باريس، تطل غرفته على نهر السين ويجالس كبار أدباء فرنسا والعالم على مقهى "دوفلور" لكن النيل وأحياء القاهرة القديمة ومقاهيها وأناسها البسطاء لم تغادر مخيلته ولا إبداعه.
 
ذاكرة قصيري (القاهرة 1913– باريس 2008) وزياراته المتقطعة إلى القاهرة اختزنت بانوراما كاملة ودقيقة للمدينة وتحولاتها وأناسها  في عصر الانفتاح قدمها في روايته "ألوان العار"، لتكون آخر رواياته بالفرنسية أقرب إلى سرديات نجيب محفوظ الكبرى في التصاقها بالمكان والوصف الدقيق لواقع المدينة وتناقضاتها.
 
في جلساته اليومية مع كتاب وفنانين مثل جان بول سارتر وألبير كامو وجان جينيه وهنري ميللر  على المقهى الباريسي الذي اشتهر بهم، لم ينس قصيري أن يعود إلى الأجواء القاهرية، في روايته التي نشرتها مؤخرا دار كنعان في دمشق بترجمة سعيد محمود، ليرسم لوحة اجتماعية تجمع بين السخرية والمرارة والغرابة، مستعرضا حالات يرصد فيها تغيّر معايير القيم الاجتماعية وتوصيف الأمور بمسمّيات تناقض حقيقتها وجوهرها.

يتنقّل قصيري في روايته بين مختلف شرائح المجتمع المصري، في فترة الانفتاح الاقتصادي  وتحولاته في سبعينيات القرن الماضي، ويحلل بنياتها النفسيّة التي تشكّل آلية دفاعيّة هجوميّة في الوقت نفسه، يرتحل عبر بطله أسامة الذي يحترف اللصوصية، إلى عالم الأحكام المسبقة والتصنيفات المقيدة.

من الأحكام الجائرة التي تشكل لونا من ألوان العار في المجتمع النظر إلى الآخر واتّهامه والحكم عليه بناء على مظهره فقط. يشتغل قصيري على حالة إدراك بطله أسامة للمعضلة وذهنية التخلّف السائدة، ليغيّر من مظهره، وينتحل شخصيّة أخرى، يختار طريقة مختلفة عن اللصوص الفقراء، فهيئته لا تدلّ على ذاك النمط الذي يوصَف بالحرامي من قبل أبناء الطبقة الثريّة، أولئك الذين يكون وصف الحرامي مقتصراً لديهم على أشخاص فقراء بهيئات زريّة وشعور مشعثة وملامح عدوانيّة.

في جلساته اليومية وصداقاته مع كتاب وفنانين كبار مثل جان بول سارتر وألبير كامو وجان جينيه وهنري ميللر على المقهى الباريسي الذي اشتهر بهم، لم ينس قصيري أن يعود إلى أجواء قاهرية في روايته

عار الآخرين
يحكي صاحب "شحاذون ومعتزون"  جانبا من سرقات أسامة الذي يكون ضحية من ضحايا العار السلطوي، إذ أنه الابن الوحيد لرجل أعمى، وكان والده أحد الثوار ضد الملكيّة، ودفع ضريبة ثورته أنه فقد بصره، لكن السلطة التالية أهملته ولم تعوضه بأي شكل، ما حال بين ابنه الوحيد وإكماله دراسته، فتشرّد وتسكع وتسول ليؤمن لقمة عيشه وأبيه.

ثمّ يكون أسامة مخفّفا من أعباء الفتاة "سفيرة" التي يتعرّف إليها، وتكون بدورها ضحية عار اجتماعي، يخبرها على سبيل الممازحة بأنه لص، فتغرم به، وتجد فيه شخصا مبتذلا قريبا منها، هي التي تحترف البغاء لتتمكّن من إعالة نفسها وأمها، وذلك بعد انقطاع السبل بها، وعدم تمكنها من مزاولة أي عمل. ويبرّر لها أسامة فعلتها ويبدي احترامه لها، ولا يقلل من شأنها ولا يحتقرها، بل يوضح لها أنها ضحيّة مجتمعية أخرى وأن عارها هو عار الآخرين.

يقوم أسامة بعملية من عملياته، وهو المتأنّق دوماً، يختار فريسته من الأغنياء، ولا يشتبه به أحد، فيؤمن جانبه، ما يسهّل له سرقته. يقدم على التقاط محفظة أحد السماسرة، يظفر بها، ثمّ يخرج من دائرة العملية ووسط المدينة الخانق ليبتهج بسطوه السريع، ويكتشف في المحفظة رسالة موجّهة إلى تاجر العقارات من أحد شركائه في السلطة ويكون أخاً لأحد الوزراء، يؤكد فيها شراكته في التسبّب بانهيار أحد المباني التي شيّدها ومقتل خمسين شخصا بريئا فيها.

وهو الأمر الذي شوّش ذهن أسامة وأبقاه في حيرة من أمره، فيلجأ إلى حارته القديمة التي اكتفى بسرعة من محاولته المضحكة بتغيير والده وحارته وشدّ الخطى مقرّراً الخروج من ذاك المكان الذي لن يقدّم له شيئاً ضمن وحدته المرّة كرسول للعار.

يستعين بمعلّمه السابق نمر الذي يستعين بدوره بزميل له في السجن، وكان صحافيّاً لامعاً سُجن بتهمة ازدراء رئيس دولة أخرى. الصحافيّ كرم الله الذي يقيم في مقبرة من المقابر المنتشرة في ضواحي القاهرة، يسعد بابتعاده عن الأحياء وعيشه وسط الأموات الذين لا يعيّرونه بشيء ولا يجد هو لديهم ما يصفه بالعار، يترك خلفه ألوان العار المتفشّية في المجتمع.

يجد فرصة سانحة للعودة إلى تعرية المتورّطين في تشويه القيم التي يؤمن بها، يخطّط لمقابلة المتعهّد عاطف الذي يجسّد العار بكلّ ألوانه وأصنافه، يواجهه بالرسالة، وتدور بينهما محاججة حول معيار القيم في مجتمع يتساهل في الجريمة ولا يكترث للعقاب المفترَض.

يدين قصيري النظرة المسبقة التي تقيّد الناس وتصنفهم تبعا لرغبات وأحكام جاهزة لا تتوافق والواقع، ويصوّر كيف أن الأحكام المقولبة تخرب التركيبة الاجتماعية

تجسيد العار
كرم الله الذي يرى في التاجر عاطف تجسيداً لكلّ العار الكونيّ، يودّ لقاءه عن قرب عساه يتعلّم جديداً من معاشرته للعار. يجد أنّ الحديث مع هذا النوع من الأشخاص مفيد دائما، لأنّه يوقن بعد لقائه أن العار بلا نهايات وبلا حدود. وتكون حادثة تحايله بنفوذه وتواطؤ بعض المسؤولين على اختلاق زلزال دمّر بناءه، كذبة حريّة بأن تسجّل كتطوّر ملحوظ في تاريخ العار البشريّ.

يظهر قصيري كيف أن شابا في مقتبل العمر ينحرف إلى السرقة وقبلها التسوّل الذي يظلّ تجربة قاسية عندما يكون جسد المرء معافَى دون أية عاهة ظاهرة للعيان، ويكون مردودها قليلاً، يستعرض حالة أسامة الذي كان يغار من أي أعرج أو أكتع أو أعمى يمارس بفخر هذه المهنة الملكيّة دون دفع الضرائب. والذي فكّر في لحظة مجنونة أن يقطع يده أو قدمه كي ينال إعجاب المُحسنين الذين تجذبهم الجروح الغائرة والأجساد النحيلة.

يدين قصيري النظرة المسبقة التي تقيّد الناس وتصنفهم تبعا لرغبات وأحكام جاهزة لا تتوافق والواقع، ويصوّر كيف أن الأحكام المقولبة تخرب التركيبة الاجتماعية وتبقي الحواجز مكهربة بين أبناء المجتمع الواحد، وذلك أن كل واحد ينطلق من نظرته النمطية الثابتة التي يقيّد بها الآخرين، ويبقى الاستعداء غير المبرر متفعلا مستمرا.

يختار قصيري نهاية تجمع بين الطرافة والمرارة، تكون الصدمة معممة، إذ يحمل أسامة رسالة الفضيحة والعار كرقية ملعونة تحميه وسط عالم الفساد وتحلّل القيم. وعبر ذلك يتألم الروائي للحقيقة المريرة التي يسوقها، وهي انحدار المجتمع المبني على المظاهر.

وسط التخلّف والجهل والتجهيل لا مستقبل للحقيقة، كما يرى قصيري، ووسط الاحتفاء باللصوص الكبار المتخفّين تحت ثوب السلطة الفضفاض وعباءة المال الحاجبة والثروة العامية التي تمهّد الطريق للاحتيال والنفاق، ربما تغدو البراءة بحدّ ذاتها "عاراً".

المصدر : الجزيرة