غلاف كتاب "السعي إلى السلام في الموروث الإسلامي" للدكتور عباس عروة (الجزيرة)
 
في كتابه الجديد "السعي إلى السلام في الموروث الإسلامي" يواصل البروفيسور عباس عروة مشروعه في تقديم رؤاه الدينية لإيضاح صورة الإسلام الحنيف، وتقديمه للقارئ الغربي وتخليصه مما شابه من عوالق لسوء تأويل مارسه بعض دعاته من جهة، وإغناء مكتبة مسلمي ودعاة الغرب بكتاب دعوي يعود إلى مبادئ الإسلام الأولى تعليما وتثبيتا لهم من جهة أخرى.
 
والكتاب الصادر أخيرا باللغة الإنجليزية عن دار "قرطبة" التي يديرها عروة، هو حصيلة محاضرات ونقاشات مع طلابه ومحاوريه ومقالات نثر فيها المؤلف في العقد الأول من القرن الحالي رؤاه وفلسفته وفهمه للدين، وقدم لها المفكر النرويجي البروفيسور جون غالتنغ.
 
وفي سياق رؤية عروة ذاته، يتبنى غالتنغ فكرة إقامة سلام دائم بالعودة إلى جذور الصراعات وأسبابها وحلها، ودعم قدرة المجتمعات المحلية على إدارة حل النزاعات، وهو صاحب مفهوم "السلام السلبي والإيجابي"، على اعتبار أن السلام -بالنسبة له- لا يعني فقط غياب النزاعات والصراعات العنيفة.
 
يقع الكتاب في سبعة فصول، يعرض في فصل أول قواعد ومرتكزات الدين الإسلامي (العقيدة) وفيه يشرح المبادئ العقدية البديهية  للمسلمين باعتبارها تعريفا وأساسا للداخلين فيه من الغربيين
مرجعيات علمية
وفي إشارة أولى لتقديمه للكتاب -الذي طالعته مجموعة من علماء ودعاة الإسلام بينهم الجزائري أنور هدام- ينوه غالتنغ بالعمق الذي يتمتع به عروة في كتابه عبر إحاطته بالمرجعيات التي يتحدث عنها، وسعة اطلاعه ومعايشته سواء لواقع المسلمين في الغرب أو معرفته الواسعة بالعالم العربي والإسلامي.

وحسب الكاتب النرويجي فإن الكتاب يصدر عن رجل صاحب "قلب دافئ وذهن متوقد" وسيكتشف القارئ سريعا المرجعيات العلمية لدى عروة ودراسته للفيزياء، لكن ذلك أيضا مدعوم بفلسفة عالية ينطلق منها المؤلف اعتمادا على فلسفة القرآن الكريم نفسه.

وعروة المولود في الجزائر حاصل على شهادة الفيزياء الطبية من المدرسة الفدرالية بسويسرا، وكان قبل ذلك قد حصل في عام 1984 على دبلوم الدراسات العليا في الفيزياء الإلكترونية من جامعة الجزائر، وفي 1986 نال الماجستير في الفيزياء الطبية من جامعة ساري في بريطانيا، وفي 1989 نال شهادة الخبرة في الحماية من الإشعاع من جامعة لوزان في سويسرا.

يقع كتاب أستاذ الفيزياء الطبية في جامعة لوزان بسويسرا في سبعة فصول، يعرض في فصل أول قواعد ومرتكزات الدين الإسلامي (العقيدة) وفيه يشرح المبادئ العقدية البديهية للمسلمين باعتبارها تعريفا وأساسا للداخلين فيه من الغربيين، وثمة استفاضة يقدمها عبر شروح توضيحية يزخر بها الكتاب للتفريق بين الإحسان والإيمان والإسلام.

المرتكز الأول وهو الثقة والإيمان بالله الذي يقود بالضرورة إلى فهم واسع يلجه الكاتب لمفهوم التشهد، ومن ثم الصلاة وأركان الإسلام الأخرى: الزكاة والحج وصيام رمضان.

وإذا كانت تلك المفاهيم والمبادئ بديهية للقارئ العربي فإنها مهمة لقارئه الغربي الذي يتوجه إليه، كما أنها من جهة أخرى مهمة للسياق الذي يعرض فيه للوصول إلى مفاهيم إشكالية متعلقة بالجهاد والحرب في الإسلام وما بينهما من حقوق الإنسان.

كما يعرض في فصل تال الأسماء الحسنى لله عز وجل مجملا إياها في تسعة وتسعين اسما، ومع كل فصل يخطه عروة يدفع عن قارئه الملل عبر مجاورة نصه بلوحات فنية تنزع إلى التجريد، وجداول يستعين فيها عروة بخبرة علمية هائلة يستظهرها من مخزونه ومراجعه العلمية والطبية.

الكتاب يمتلئ باللوحات الفنية التي تصدر عن منهج "الحروفية" وتوظيف الخط الإسلامي، في إشارة ذكية من الكاتب الذي يجعل من الفن واحدا من تجليات الإسلام العظيمة في الجنوح إلى السلام والسعي إليه

الحرب والسلام
وبعد عرض لتلك المبادئ، يقرأ عروة -المولود في الجزائر عام 1962- مفهوما إشكاليا عن "الحرب والسلام" في الإسلام.

وغني عن القول إن تلك الموضوعات التي يعرضها عروة (الحرب والسلام في الإسلام) إنما تأتي أيضا من هاجس ذاتي يحرك الكاتب ويثير فيه أوجاعا وهو الذي عايش العشرية السوداء في الجزائر، وقبلها كان قد أصدر على الأقل عشر دراسات مميزة معظمها في تاريخ المذابح في الجزائر، بدءا من المذابح التي وقعت على يد الفرنسيين في الجزائر خلال احتلالهم لها وحتى المجازر التي وقعت خلال ما اصطلح عليها "العشرية السوداء".

وفي ارتكازه على سلمية الإسلام ولاعنفه، يتناص عروة مع كبار مفكري الإسلام ودعاته في تأكيد مذهب اللاعنف، مستعيرا مقولات المفكر الإسلامي السوري جودت سعيد عبر كتابه الشهير "مذهب ابن آدم الأول".

وكذلك يعود لآراء المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي صاحب "شروط النهضة"، ولا يغفل عن الإشارة كذلك إلى مفاهيم الرفق والسماحة كما أرساها المفكر الإيراني محمد الشيرازي وعبد الغفار خان وغيرهما ضمن سلسلة مراجع تتعاضد مع أفكار الكاتب.

كتاب عروة، الذي يحمل في خاتمته مراجع توثيقية تنم عن منهجية علمية استقاها الكاتب من مرجعياته العلمية وفيها إشارة إلى من استعان الكاتب بهم في رحلة بحثه عن السلام في الإسلام، يواكب أيضا ثورات الربيع العربي عبر صور لمظاهرات مصر.

كما أن الكتاب أيضا يمتلئ باللوحات الفنية التي تصدر عن منهج "الحروفية" وتوظيف الخط الإسلامي، في إشارة ذكية من الكاتب الذي يجعل من الفن واحدا من تجليات الإسلام العظيمة في الجنوح إلى السلام والسعي إليه.

المصدر : الجزيرة