مجموعة من مجلدات المخطوطات العربية النادرة الموجودة بالمكتبة الوطنية الإسبانية (الجزيرة)

آمن عجاج-مدريد

تزخر خزائن المكتبة الوطنية الإسبانية بمجموعة مهمة ومتنوعة من المخطوطات العربية من عصور مختلفة، وتعود أهميتها إلى كونها ثاني أكبر المجموعات الموجودة في إسبانيا بعد المجموعة المحفوظة في مكتبة دير "الإسكوريال".

ويرجع تنوع "لغة" المخطوطات إلى أن فيها ما هو مكتوب بالعربية أو "بالعجمية"، وهي كتابات استخدمها سكان الأندلس العرب الذين بقوا في أراضيها بعد سيطرة الملوك الكاثوليك عليها، فكانوا يتحدثون القشتالية القديمة التي استخدمها سكان إسبانيا في ذلك العصر، ولكنهم يكتبونها بالحروف العربية حفاظا على هويتهم.

وتتضمن المجموعة ما يربو على ستمائة مخطوط متنوعة الأحجام. فمنها المجلدات الكاملة والكتب والوثائق وصناديق تحتوي على أجزاء من وثائق متعددة الموضوعات وتعود إلى تواريخ مختلفة.

إيلينا أسينسيو مونيوث المسؤولة عن الوثائق النادرة بالمكتبة الوطنية الإسبانية (الجزيرة)

وقالت إيلينا أسينسيو مونيوث إحدى أمينات المكتبة الوطنية الإسبانية وهي مسؤولة عن الوثائق النادرة فيها للجزيرة نت إن المكتبة تأسست في القرن الثامن عشر وكان لديها القليل من المخطوطات العربية الموجودة حاليا والتي "عُثر عليها" خلال القرن السابع عشر.

مخابئ كتب
وأوضحت مونيوث أن تلك الكتب كانت موجودة في "مخابئ" داخل الجدران أو فوق الأسقف أو تحت الأرضيات بمنازل سكان الأندلس، نظرا لأن السلطات المدنية ومحاكم التفتيش الدينية كانت تعاقب من يحتفظ بمخطوطات مكتوبة باللغة العربية وتحرق الكتب وكذلك من يحتفظ بها، إلا أن الأندلسيين أصروا على كتابة الكتب واقتنائها وكانوا يخفونها في تلك المخابئ، وعند تجديد بناء المنازل كان أصحابها الجدد من الإسبان يعثرون على تلك الكنوز التاريخية.

وأضافت مونيوث أنه عندما أسس الملك فيليبي الخامس المكتبة الوطنية أمر بإيداع تلك المخطوطات فيها بدلا من تدميرها أو إيداعها في أقبية بالأديرة في ظروف حفظ سيئة كما كان يحدث في الماضي.

وفي القرن التاسع عشر زادت مقتنيات المكتبة من هذه الكتب والمخطوطات -حسب المتحدثة- مع ظهور الحركة الفنية والأدبية الرومانسية في إسبانيا، التي أبدت اهتماما بالغا بدراسة اللغات والثقافات الشرقية ولهذا حصلت المكتبة الإسبانية على الكثير من المخطوطات في ذلك العصر.

وجاءت أغلب تلك المخطوطات من منطقة المغرب العربي، نظرا لاهتمام المكتبة باقتناء مخطوطات من هناك تعود إلى الحقبة الأندلسية في إسبانيا، إلا أن المكتبة اقتنت أيضا مجموعات تنتمي إلى الملكية الخاصة في إسبانيا وفي الخارج.

ومضت مونيوث قائلة إن مجموعة المخطوطات تلك تعتبر "حديثة" نسبيا لأن أغلبها يعود إلى عصر الملوك الكاثوليك وما بعده، وقليل منها يرجع إلى عصور سابقة على ذلك نظرا للتدمير الذي عانته تلك المخطوطات مع نهاية العصر الأندلسي وخروج كثير من الكتب والمخطوطات مع أصحابها الذين هاجروا من الأندلس إلى شمال أفريقيا بعد سيطرة الملوك الكاثوليك عليها.

مبنى المكتبة الوطنية الإسبانية يضم ذخائر من الوثائق والمخطوطات العربية (الجزيرة)

ابن رشد
وأوضحت مونيوث أن المجموعة تضم مخطوطات قيِّمة مثل أعمال ابن رشد المكتوبة في القرن الثاني عشر والتي حظرها الموحدون, وتوجد نسخ قليلة منها الآن، وكتاب عن الموسيقى للفارابي نسخه أحد تلاميذ الفيلسوف ابن باجة السرقسطي لأستاذه، وكان الناسخ إماما من غرناطة.

وقالت مونيوث إن الاطلاع على تلك المخطوطات متاح للباحثين، وهناك اهتمام كبير مؤخرا من الباحثين الأجانب والإسبان بذلك، وأن وصولهم إلى المخطوطات يعتمد على حالة حفظها، وأنه من أجل إتاحة الفرصة للجميع للاطلاع على المخطوطات يجري العمل في مشروع للمعالجة الرقمية لتلك المخطوطات ليتمكن الراغبون في قراءتها من فعل ذلك عبر صفحة المكتبة الوطنية الإسبانية على شبكة الإنترنت.

وأضافت أسينسيو أن هذه المجموعة تتميز عن غيرها بوجود كم كبير من المخطوطات "العجمية" وبأنها مجموعة متكاملة تشمل الكثير من الموضوعات وتفيد في معرفة تاريخ الأندلسيين الأواخر، فبالإضافة إلى الأعمال الفلسفية والأدبية والتشريعية هناك وثائق من الحياة اليومية مثل عقود الزواج والعقود التجارية وغيرها مما يعرِّفنا بأسلوب حياتهم ونظامهم.

واختتمت قائلة إن تلك الوثائق تجعلنا نعرف روح أهل الأندلس وتدفعنا للاعتراف بالقيمة العالية لمحاولتهم الحفاظ على ثقافتهم وعاداتهم وتراثهم وسط ظروف حالكة وشديدة الصعوبة.

المصدر : الجزيرة