علي سعد-بيروت

ودع لبنان اليوم واحدا من أكبر رموزه الفنية، إنه وديع (فرنسيس) الصافي رمز جسد حالة وطنية نادرة بأغنياته وألحانه التي حاكت مختلف شرائح المجتمع اللبناني، وأضاءت على معالمه الجمالية.

في الوداع الأخير كان المشهد مهيبا، اتشح لبنان بالسواد حزنا، وسار محبو الصوت الذهبي للصلاة على روحه في كاتدرائية القديس جرجس وسط بيروت، قبل أن تحتضنه بلدة نيحا الشوفية في ترابها، ابنا بارا ستفخر به طويلا وسيروي أبناؤها قصصا خالدة عنه.

ويعد الصافي من أهم الأصوات الغنائية التي مرت في تاريخ لبنان، وقد شارك معظم أبناء جيله من كبار مغني لبنان مسرحيات وأعمالا مشتركة، منهم الرحابنة وفيروز ونصري شمس الدين.

وفي وداعه قال البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير "ربما يلزمنا 6000 سنة لاحقة ليأتي وديع صافي آخر"، مضيفا "لقد عزف قلب وديع الصافي لله وللبنان غناء وعزفا وتلحينا ورقصا. وموهبته الفنية الخلاقة ابتكرت ما سمي بالمدرسة الصافية للأغنية الشرقية التي أبرزت الأغنية اللبنانية في هويتها، وغرفت مواضيعها من جمالات لبنان وحضارة شعبه وحياة عائلته والتقاليد".

حشد من الفنانين الذين شاركوا في جنازة الصافي (الجزيرة نت)

تقصير رسمي
وغنّى الصافي على مدى 45 عاما من حياته لمختلف شعراء لبنان وملحنيه، فضلا عن شهرته بالتلحين الخاص، كما يعد أول لبناني تُغنى أغنياته باللغة الإسبانية، عبر تجربته الموسيقية مع المغني الإسباني خوسيه فرنانديز في تسعينيات القرن الماضي.

لكن الصافي -الذي حمل لبنان شعلة أضاء به دروب الفن والموسيقى- يذكره لبنان الرسمي متأخرا على غرار جميع عمالقة البلد بـ"وسام مذهب" قلده إياه وزير الثقافة غابي ليون في جنازته ممثلا لرئيس الجمهورية ميشال سليمان.

وقال ليون للجزيرة نت إن "لبنان خسر برحيل الصافي رجلا ارتبط به في كل ما غنى. فلو أصغيت إلى أغاني الحب والإيمان والوطن فستجد فيها كلها ارتباطا وثيقا بلبنان، وهو ارتباط وثيق من النادر أن تجده بين أي فنان آخر بوطنه".

وأضاف ليون أن الأسف والغضب الذي اجتاح لبنان بسبب عدم إعلان يوم حداد رسمي وتنكيس علم لطالما حمله الراحل عاليا، ليس من مهمة وزارة الثقافة بل رئاسة الحكومة، مؤكدا في الوقت عينه أن لبنان الرسمي حزين ومهتم، ووقف إلى جانب الراحل الكبير.

ولفت ليون في هذا المجال إلى أن الإنجاز الكبير الذي تحقق على المستوى الرسمي وأفرح قلب الصافي كان إنشاء صندوق تعاضد موحد للفنانين عام 2012 يديرونه بأنفسهم.

وزير الثقافة يقلد الراحل الصافي وساما مذهبا تكريما لعطاءاته (الجزيرة نت)
صرخة رحبانية
وقال الموسيقار إلياس الرحباني للجزيرة نت إنه بعد 75 سنة من العطاء لم يكن لبنان على قدر طموحات الصافي الذي رفع اسمه إلى جانب "الرحابنة" وفيروز وصباح، مضيفا أن "الفنان في لبنان خارج أولويات السياسيين، لا يحفظون حقوقه، ولا يصونونه عندما يكبر".

ووصف الرحباني الراحل بأنه "حافظ الفن والموسيقى في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط، وسط هذا الهبوط الذي أصابه في السنوات الثلاثين الأخيرة"، مضيفا "اثنتان وتسعون سنة من حياته مرّت بسرعة خيالية تشبه سرعة إنجازاته الكبيرة".

وأعرب الرحباني عن أمله بأن تكون هذه الوفاة درسا للمنتجين ليتجهوا مجددا نحو الأصوات الجميلة ويعيدوا العصر الذهبي، بدل حال الانحطاط الذي وصلنا إليه اليوم، حسب تعبيره.

هي نهاية عصر جميل.. وفاة آخر عمالقة الفن العربي ليست نهاية حياة بقدر ما هي شمعة ذابت بعدما أضاءت شموعا عديدة على طريق الفن.. رحل وديع الصافي وترك غصّة في قلب وطن لم تتسع له مساحته الصغيرة.. وطن ستسكن أغانيه في ذاكرته طويلا وسيسجله اسمه في سجل الخالدين، ولكنه سيسدل الستارة أيضا على العمالقة الذين قد يكون وديع آخرهم.

المصدر : الجزيرة