غلاف النسخة المترجمة للرواية (الجزيرة)

 هيثم حسين

الهزيمة الكبرى تبتدئ من الداخل، وذلك حين يفشل المرء في التواصل مع الآخر، والإفصاح له عن مكنوناته بغية تلافي أيّة إشكالية قد تنشأ بينهما، وما يتبع تلك الهزيمة يكون أصداء لها، لأنّ المِحن لا تُجزّأ، ولاسيّما حين يرضخ أصحابها للارتهان لسطوتها ويفقدون أيّة رغبة تالية لاستعادة التصالح مع الشريك. ربّما تكون هذه جوانب من مرامي الروائيّ البريطانيّ إيان ماكيوان (1948) في روايته "على شاطئ تشيسيل" التي كانت قد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر البريطانيّة.

يتناول ماكيوان في روايته -التي ترجمتها راغدة خوري ونشرتها "دار دال" السوريّة- السعي الحقيقيّ لتغيير مجرى الحياة، لا الانكفاء الذي يغيّر بدوره بشكل جذريّ، وذلك بعدم فعل شيء وترك الأمور للمصادفة والزمن كي يقوما بالمهمّة.

كما يدرس طرق تضافر مجموعة من العوامل الذاتيّة والموضوعيّة لتدفع مسارات الأمور والأشخاص، كأن تتداخل الخشية مع الغريزة والتقاليد والقيود الاجتماعية والتحفّظ ورغبة التحرّر، وتتطلّب البحث عن اللامألوف والتردّد في مساعي تحقيق الرغبات لأنّها قد تشكّل مصدر رعب متفجّر.

يتحدّث ماكيوان -الحائز على عدّة جوائز أدبية منها جائزة البوكر عام 1998- في روايته هذه عن القلق والآراء المؤرقة التي كانت سائدة حتى منتصف القرن العشرين.

ويركّز على الجانب المدمّر في العلاقات الشخصيّة والأسريّة، وهو الجانب الأعمى الذي يلقي بتداعياته الخطيرة على نفسيّات الناس وسلوكيّاتهم، ليؤكّد عبر استعراضه حالة بطليه والمسافة التي ظلّت تفصل بينهما على الرغم من القرب المكانيّ، أنّه لا بدّ من مدّ جسور التواصل والتعبير عمّا يجول في الخواطر دون أيّ توجّس أو قلق لتجاوز المِحن والتمكّن من الانطلاق نحو الغد بعيداً عن القيود المرهقة.

يظهر ماكيوان كيف أنّ تفصيلاً صغيراً يسِم حياة كاملة، ويرسم خطوطها العريضة، يلوّنها بلونه الوحيد، ويضفي عليها حالة ملتبسة من مشاعر متناقضة لا تستدلّ إلى سبيل للرا

تمترسٌ بالقلق
يظهر ماكيوان كيف أنّ تفصيلاً صغيراً يسِم حياة كاملة، ويرسم خطوطها العريضة، يلوّنها بلونه الوحيد، ويضفي عليها حالة ملتبسة من مشاعر متناقضة لا تستدلّ إلى سبيل للراحة، وذلك من خلال الإحجام عن فعل شيء يرمّم الشرخ الصغير قبل تعاظمه، ويستدرك المشكلة قبل تفاقمها، بحيث يغدو ذاك التردّد عن القيام بشيء أو فعل بوّابة إلى فقدان المعاني الجميلة التي انحدرت إلى اللاشيء المؤذي للدواخل.

يقصد بطلا الرواية إدوارد وفلورانس في ليلة زفافهما فندقاً على شاطئ تشيسيل، وهناك تنقلب بهما الآية، ففي الحين الذي يفترض بهما أن يكونا في شهر العسل، ينشب بينهما سوء تفاهم يفقدهما بعضهما بعضاً. ويظلّ كلّ واحد منهما متشبّثاً برأيه ومتمترساً بقلقه وخوفه، وبين الإقدام والإحجام تنسلّ السعادة المفترضة المنشودة من بين أيديهما، ويقعان بين براثن التيه اللاحق لعقود.

يتبادل طرفا المعادلة الحياتيّة الفشل. فشل إدوارد في تفهّم خوف فلورانس المتنامي من التقارب الجسديّ، ذاك الخوف الذي لم يكن ينطبق على الأمومة. وكانت تشكّ بأنّها تعاني داخلياً من أمر ما غير طبيعيّ، وأنّها، ومنذ زمن، كانت مختلفة عن الآخرين، وأنّ هذا الاختلاف سوف يظهر للعيان في يوم من الأيام. وكانت ترى في الجانب الحميم من الحياة الزوجية الثمن الذي يجب عليها دفعه كي تستحقّ سعادة أن تكون أمّاً وزوجة.

فشلت فلورانس في استيعاب اندفاع إدوارد وتوقه إليها، وهو المسكون بهواجسه الخاصّة إزاء الحياة والمجتمع والتاريخ، لم تستطع مسايرته ولا احتواء اندفاعته، كما لم تحاول تفهّم أسبابه، لأنّها كانت منشغلة بذاتها ومشاعرها إزاء ما تعيشه وتراه.

يشير ماكيوان إلى اهتمام الناس بالشؤون الكبرى وتناسيهم أنفسهم، كبطليه اللذَيْن كانا مسجونَيْن مدّة بالشؤون الدولية من جرّاء حماقتهما الخاصة، ويغفلان عن إيلاء الاهتمام لحياتهما 

حُطامُ الواقع
في الفصول الخمسة، يمتزج عالم الداخل بالخارج، فيجد إدوارد نفسه بعد عقود من تجربته المفصليّة تلك مُبعداً عن التاريخ كي يستفيد من الحاضر ويستمتع به. يصوّر التغيير الكبير الذي حفل به عقد الستينيات من القرن العشرين، وكيف بدا كطفل مشوّش أمام تلك المتغيّرات. يستذكر ملاسنته مع فلورانس على شاطئ تشيسيل، وما أعقبها من تيه مزمن أبقاه في بحث دائم عن الذات وسط حطام الواقع.

العلاقة المتبادلة بين التخصّص والحياة الواقعية تحضر في توصيف واقع إدوارد المتخصّص في التاريخ، إذ درس الحروب، والانتفاضات، والمجاعات، والأوبئة، ووقائع نهوض وسقوط عدة إمبراطوريات، وكذلك الثورات التي التهمت الأطفال، والفقر في الريف، والبؤس الناشئ من وراء التصنيع، وفظائع النخب المهيمنة.

قرأ جداريات ضخمة بأشكال وألوان مختلفة للقمع، وللبؤس، والرجاء الخائب وفهم كم بمقدور الحياة أن تكون جاحدة وشحيحة، جيلاً بعد جيل. وحين يُسقط ذك على حياته الشخصيّة وعلاقته به على مستوى التاريخ، يدرك أنّ السعادة التي كان يتشاركها وفلورانس كانت حدثاً فريداً.

يشير ماكيوان إلى اهتمام الناس بالشؤون الكبرى وتناسيهم أنفسهم، كبطليه اللذَيْن كانا مسجونَيْن مدّة بالشؤون الدولية من جرّاء حماقتهما الخاصة، ويغفلان عن إيلاء الاهتمام لحياتهما التي كان الحرص على إنقاذ المظاهر فيها يحتلّ الصدارة في حين كان ينبغي عليهما إنقاذ الذات والحقيقة.

ويحرّض تساؤلاً هامّاً حول الأسباب التي تعيق اندماج بطليه مع المرحلة الجديدة من حياتهما. هل يكمن السبب في شخصيتهما، ماضيهما، جهلهما، خوفهما، خجلهما، خشيتهما، أم تكّلف الحشمة، والافتقاد للطمأنينة، للتجربة، للطبيعية، هويتهما الإنجليزية، طبقتهما الاجتماعية، وصولاً إلى ثقل التاريخ؟

يلقي ماكيوان إضاءات سريعة خاطفة على بعض أحداث النصف الثاني من القرن العشرين، الذي شهد حرباً باردة بين قطبَي العالم حينذاك، وكيف أنّ دور الإمبراطورية البريطانية انحسر بشكل لافت وأصبح تابعاً لتوجّهات الولايات المتّحدة. ويذكر في السياق قضية السباق إلى التسلّح النوويّ وضرورة البحث عن طرق لعدم ترويجها. والسؤال عن إمكانيّة عدم رؤية الجنون في متابعة اختبار القنبلة الهيدروجينية ضمن الغلاف الجوي وتعريض الأرض للإشعاعات، بحيث يسرّب بين السطور مواقفه المناوئة للحروب المتجدّدة.

المصدر : الجزيرة