غلاف "سينالكول" لإلياس خوري (الجزيرة)
أحمد الشريقي-الدوحة
 
يعود "كريم شماس" (بطل رواية سينالكول) ليروي ويواجه الذاكرة، هناك حيث صنع الذكريات في بيروت، ويلتقي شهود مرحلته ويتأمل نساء في ذاكرته ويقول شيئا عن الحرب التي تستوطنه وغيره، ويحاول الشفاء من شقاء الموت. يحكي هو جزءا من الحكاية ويتولى باقي الشهود تصويبها وسرد ما لديهم.

بيد أن لا حكاية تنتهي في رواية إلياس خوري المرشحة في قائمة بوكر الطويلة للرواية العربية، ذلك أن الشخوص كلهم يِتشاركون الحكاية نفسها، الحرب والحب والخيانات والموت الذي يخيم على الرواية ويقترح نفسه موضوعا لرواية أخرى لصاحب "باب الشمس".

يجاور خوري الواقع والحقيقة مع المتخيل، يسمي شخوصا حقيقيين ويراوغ في ذكر أسماء آخرين لكنه لا يتعب القارئ كثيرا في التعرف على هوياتهم. يذكر القائد الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد) ويواري على دلال المغربي، وإن كان يختار لها اسما قريبا من اسمها ومن إيقاعه على الأذن فتستحيل "جمال" بدلا من دلال، لكن قصتها وحبا ناقصا متخيلا يرد كاملا في الرواية، ويوميات لم يكتبها كريم بعد.

ويحضر المفكر السوري صادق جلال العظم في حكايته عن سجنه إثر نشر كتابه "نقد الفكر الديني" وكذلك الشاعر العربي الأكثر شهرة بين المثقفين المنتحرين وهو خليل حاوي. وإذا كان العظم حاضرا في الرواية يروي حكاية سجنه فإن حاوي يرد في سيرة الشهود واحدا ممن لفّهم الموت مختارا إياه بطريقته الخاصة.

في الرواية تتضافر الحكايات لتفك لغز الميت -نصري- الذي يبدو كأنه حياة لبنان التي دثرها الموت الكبير بردائه عبر حروب الطوائف وتوغلات إسرائيل

عائلة وذاكرة
ولد كريم (أو سينالكول بالرواية) لأب مسيحي لبناني هو الصيدلي نصري شماس وينتمي لعائلة فيها أخوه التوأم نسيم، سارد رئيسي في الرواية ووجه آخر لكريم. وفي العائلة الصغيرة مذاهب ورؤى في الحياة وحكايات مشتركة تلتقي وتفترق، فالأب متسامح وفار من السياسة وناذر نفسه للحياة، يورث نسيم شبقه وكريم ذكاءه ومهنته الطب. وفيما يختار كريم اليسار يذهب نسيم ليمينه الانعزالي "حزب الكتائب".

يسافر كريم إلى فرنسا ويعمل في الطب هناك، ويتزوج من "برناديت" الفرنسية وينجب ابنتين، لكنه يعود إلى بيروت بعد اتصال من شقيقه لإقامة مستشفى في بيروت يكون هو رئيسه، تدفعه الهواجس للعودة، لكن رغبة تصفية الحرب مع ذاكرة وحكايات لم تسوَّ بعد تدفعه للبقاء.

هناك في بيروت رحم الذاكرة وحضنها ثمة قضايا عالقة عن الأب (نصري)، الذي مات ولم يزل موته لغزا، وحكاية حب ناقص مع هند -التي تزوجها شقيقه- وكأنها وجه للبنان الذي غادره وفي الحلق غصّة، وحكايات مع منى وغزالة وجمال التي لم ينته بعد من يومياتها، وقد طلب منه "أبو جهاد" كتابا عنها يقترب من شخصية المناضلة العظيمة.

وفي كل وجه نسائي، له ما يقابله في حياة كريم أو "ثيمة" يمثلها، "غزالة" روح تتناسل في أرواح (التقمص) وهند وجه للبنان الذي تركه لأخيه، وسلمى التي تغادر الطائفة نحو حبها.

تملأ حكاية نصري الرواية. تروي هند عن حكاية موته وأنها التي دفعته ومات، ويقول نسيم إنه من قتله، ونسيم يحمل نفسه جزءا من المسؤولية فهو الذي كسر قلبه بالرحيل. يقول الشهود حكاياتهم وينقضونها ويعودون ليستدركوها، وينثروا شيئا من تأويلاتهم عن موت العجوز الشبق الحكيم الذي يضج حياة، وتتضافر الحكايات لتفك لغز الميت الذي يبدو كأنه حياة لبنان التي دثرها الموت الكبير بردائه عبر حروب الطوائف وتوغلات إسرائيل.

يغادر سينالكول (الاسم الحركي لكريم) بيروت وقد غطتها غمامة سوداء إثر حرب العام 1990 إلى مونبلييه في فرنسا، وإلى حيث صغيرته، لا ذاكرة شفيت ولا جراح التأمت ولا حبَّ ناقصا اكتمل

مساءلة الوجود
إذ يقدم إلياس طرفا من سيرة لبنان وحربه فكأنما يسائل الموت نقسه باعتباره مآلات الحرب، يتأمله وبقدر ما يدينه، يضعه لوحة مجاورة باعتباره سؤالا وجوديا بجانب الحب والخيانة والتحول الأيديولوجي من اليسار إلى اليمين، ويذهب مدى بعيدا في التاريخ عبر حكاية (أبو أحمد) عن لبنان المختلط التي تعود بعض جذور مسلميه إلى الصليبيين لا إلى المسيحيين!

يتعب الروائي والمتلقي من تناسل الحكايات التي تطول، لكنه التعب المقصود لا للحكاية ذاتها بل لتأمل الوجود وأحواله، وقصة لبنان نفسها التي لا يلتئم لها جرح من القرن التاسع عشر، وتجول الرواية متأملة ذلك كله عبر حكايا فيها نزف وألم وجثث وإشراقات حب وجلسات عائلية حميمة ومناكفات وثقافة وطبيعة وطقوس الشرب والقهوة.

يقدم صاحب "كأنها نائمة" عبر شخصياته التي تستوطن القارئ ولا تغادره باعتبار أسئلتها هي أسئلته، وحيواتها هي حياته، رواية تتأمل الراهن وتسائل الذاكرة وتفككها وتعاين الوجود، لا تحاكمه بقدر ما تحاول فهمه على أنها حكايات لا تنتهي، والغاية هي الإمتاع وفتح الجرح ولو قليلا بما أن لعبة الفن والإيهام تتسع لذلك كله.

يغادر سينالكول (الاسم الحركي لكريم) بيروت وقد غطتها غمامة سوداء إثر حرب العام 1990 إلى مونبلييه في فرنسا وإلى حيث صغيرته. لا ذاكرة شفيت ولا جراح التأمت ولا حبَّ ناقصا اكتمل، وكما جاء عاد، "هكذا انتهت المغامرة البيروتية، طنين في الأذن وشعور بأنه يتكئ على ظله، وعندما تراءى له مبنى مطار بيروت بواجهته المهشمة التفت إلى الوراء وبكى".

المصدر : الجزيرة