جانب من معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ44 (الجزيرة)
 
تحتل قضايا الترجمة حيزا هاما فى الدورة الرابعة والأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ويتزامن هذا الاهتمام مع احتدام الجدل عربيا حول "كوارث الترجمة" فى الأدب والإبداع على وجه الخصوص.

وتتضمن الدورة الحالية موائد مستديرة لمناقشة قضايا الترجمة وتحدياتها وسبل النهوض بها، كما تتطرق لتحديات الترجمة في العالم العربى، ودور الترجمة فى تعزيز الثقافة وتأكيد الهوية.

كما تشمل المناقشات تقييم مراكز ومعاهد الترجمة فى مصر ومعوقات النهوض بالترجمة
وآفاق واقع ترجمة الأدب والفكر العربي إلى اللغات الأخرى، بالإضافة للتعليم والقضايا المتعلقة بأجيال المترجمين الشبان، وناقشت أولى الموائد المستديرة "الواقع والتحدي فى ظل معدلات الترجمة.. تقرير اليونسكو الأخير عن الترجمة في العالم العربي".

ويأتى هذا الاهتمام الملحوظ بقضايا الترجمة فى الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب وسط اهتمام عربي بتلك القضايا، بينما تحتدم معارك هنا وهناك وتتردد مصطلحات وعبارات دالة على أزمة أو إشكالية مثل "كوارث الترجمة الأدبية".

تأتى أحيانا ترجمات عربية جديدة لتكشف بصمت وبلاغة عن سوء ترجمات قديمة أو على الأقل عدم فهم من قام بها لمعانى النصوص وخاصة على مستوى ترجمة الشعر

ترجمات سيئة
وفى كتابه "غبار الترجمة" أعاد عبد الكريم كاصد تقييم بعض ترجمات الأعمال الأدبية لكتاب كبار بالعالم منذ خمسينيات القرن العشرين، كاشفا عبر مقارنات دقيقة عن أن بعض الترجمات القديمة لهذه الأعمال لم تكن صحيحة وبالتالي فقد أعطت معاني مخالفة لتلك التى أرادها مَن كتبها فى الأصل.

وتأتى أحيانا ترجمات عربية جديدة لتكشف بصمت وبلاغة عن سوء ترجمات قديمة أو على الأقل عدم فهم من قام بها لمعاني النصوص وخاصة على مستوى ترجمة الشعر، حيث ترتكب أخطاء كارثية، كما حدث فى بعض الترجمات العربية لشاعر الإنجليزية "إليوت" ناهيك عن شاعر الإنجليزية وكاتبها الأشهر شكسبير.

غير أن العكس قد يحدث فى بعض الترجمات الجديدة، بل وقد تثير معارك بين المشرق والمغرب وانتقادات حادة تأتى حتى من نقاد يقيمون خارج العالم العربي، معتبرين أن هذه الترجمات الجديدة حافلة بأخطاء كارثية وخطايا تشويه العمل الأصلي للمبدع.

وإذا كان الشاعر والمترجم العراقي عبد الكريم كاصد تعرض فى كتابه "غبار الترجمة" لبعض كوارث الترجمة، وأوضح بحق أن مهمة الترجمة صعبة ويمتزج فيها الأخلاقي بالمهني والثقافي بالتقني، فإن العراقي الآخر شاكر لعيبي تسبب فى احتدام معارك نقدية واتهامات حادة طالته سواء في الصحف الورقية أو على المواقع الإلكترونية.

فقد انتقد الناقد والمترجم اللبناني المقيم فى باريس أنطوان جوكي بشدة ترجمة شاكر لعيبي لقصائد  نظمها الشاعر الألمانى راينر ريلكة بالفرنسية -والذى يعد من أهم شعراء العالم- معتبرا أنها "ترجمة ضعيفة تعج بالأخطاء التى تتجلى لأي قارىء متمكن من اللغتين ما إن يقوم بمقارنة النص العربي بالنص الأصلي".

وفي مداخلة بعنوان "قل لى كيف تترجم وأنا أقول لك لماذا تكتب قصيدة سيئة" قال الكاتب
والشاعر والناقد والمترجم العراقي المقيم فى باريس عبد القادر الجنابي إن لعيبى ارتكب فى ترجمته العربية لخمسة نصوص من أعمال الشاعر الفرنسي رينيه شار "أخطاء كثيرة بعضها جد فادح".

ورصد الشاعر والناقد الفنى التشكيلى التونسى نزار شقرون أيضا أخطاء ارتكبها لعيبي فى كتاب "خرافية الخصوصية فى التشكيل العربى المعاصر" من بينها ترجمة كلمتين مختلفتين المعنى فى الثقافة الغربية بكلمة عربية واحدة فى مكانين بالكتاب ذاته وهو ما اعتبره شقرون دليلا "على مدى تشوش المصطلح لدى المترجم الواحد".

من غير المقبول أخلاقيا أن يأتى المترجم بجملة أو عبارة لا علاقة لها على الإطلاق بأصل العمل الذى يترجمه

الإبداع والترجمة
وبعيدا عن المعارك المحتدمة حول الترجمة فى العالم العربى، ثمة حقيقة جوهرية تتجلى وسط تلك المعارك، وهى أن ترجمة الإبداع تتطلب بالضرورة أن يقوم بها مبدع، كما يتبدى في ترجمات الشاعر والكاتب  السورى "على أحمد سعيد" الشهير بأدونيس، وهو شاعر ومنظر له حضوره، وفي كل الأحوال يستند إلى الموهبة والمعرفة.

والمسألة في الترجمة ليست مهارات لفظية فحسب أو "بالعلو الأدائى للعبارة العربية" -على حد  تعبير أنطوان جوكى- ولا جدال أن مسألة تشويه المعاني والمقاصد الأصلية فى الترجمة ترقى لمستوى الخطيئة، ومن غير المقبول أخلاقيا أن يأتى المترجم بجملة أو عبارة لا علاقة لها على الإطلاق بأصل العمل الذى يترجمه.
 
والأمر خطير من أوجه متعددة، أحدها مثلا أن المصطلح العربي فى مجالات تقنية وفنية بات تحت طائلة الفعل الترجمي بحكم انتساب العديد من الكلمات فى تلك المجالات لفضاء معرفي غير عربي، ومن ثم فالأخطاء هنا لا يمكن التسامح حيالها.
 
والسياق في عمومه ينطوي أيضا على تساؤلات مثل "ماذا يحدث عندما ينهض شاعر بترجمة
أعمال شاعر آخر من لغة للغة ومن سياق حضاري لسياق حضارى آخر؟!. كيف يكون اللقاء
على جسر الترجمة بين المبدعين، وكيف ينظر المترجم الذى هو في الأصل مبدع لمن
يترجم له وعنه؟
 
فالشاعر الإنجليزى دافيد هارسنت أشار بعد أن انتهى من ترجمة بعض مختارات للشاعر اليونانى يانيس ريتسوس إلى أن "القول بأن يانيس ريتسوس كان خصب القريحة وغزير الإنتاج قد يكون مجرد تسطيح لحقيقة هذا الشاعر بقدر ما يبخسه قيمته".
 
وأوضح هارسنت -الذى قام بترجمة بعض أعمال هذا الشاعر اليوناني للإنجليزية أواخر العام الماضي- أن حياة يانيس ريتسوس التى أنتجت ما يربو على خمسة آلاف ورقة جديرة بنظرة أكثر عمقا، منوها بأن الشاعر الراحل نشر أعوام 1972 و1974 و1975 سبع مجموعات شعرية بينما شهدت أعوام تالية المزيد من العطاء المدهش لهذا المبدع.

وكما هو الحال مع الشاعر الإنجليزي هارسنت، جاءت ترجمة الشاعر المصرى رفعت سلام لأشعار يانيس ريتسوس إبداعا يوازي الإبداع وفيا للروح الشعرية للنصوص، وليقدم باسم الثقافة  العربية المكافىء الإبداعي الأمين لقصائد الشاعر ريتسوس الذى قال عنه سلفه الأديب اليونانى كوستيز بالماس "إننا نتنحى جانبا لتمر أنت أيها الشاعر".
 
وفضلا عن رفعت سلام، قام أدونيس بترجمة بعض قصائد يانيس ريتسوس للعربية، وكذلك الشاعر العراقى سعدي يوسف الذى صدر له ديوان مترجم لريتسوس بعنوان "ايماءات".

الترجمة فى كثير من الأحيان "إبداع مواز للإبداع" بقدر ما تمثل بحق جسرا للتواصل بين الثقافات وقاطرة طليعية للنهضة

معرفة لغوية وجمالية
وفى ملاحظة طريفة وثاقبة عن ترجمته لبعض أشعار يانيس ريتسوس للإنجليزية، يقر دافيد هارسنت بأن عمله لم يكن أبدا بالمهمة السهلة، غير أن هذا العمل قاده بالضرورة للتفكير فى حياة هذا الشاعر الكبير والمقارنة بين الصعوبات التي واجهها أثناء عكوفه على الترجمة وبين الظروف المأساوية التى لم تحل دون أن يبدع ريتسوس هذه القصائد ما بين السجون والمعتقلات والمعازل الصحية البائسة.

والحقيقة أن قضايا الترجمة تشكل هما عالميا ليس وليد اليوم تناوله أعلام فى الفكر الغربى مثل الألماني غوتة وشليغل وهولدرين باعتبارها عملية مطورة للغة ومغذية للآداب ومطعمة للفكر ووثيقة الصلة بالهوية. ولعل تلك القضايا تجد بعض الإجابات فى سياق الموائد المستديرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.

وفي عصر ثورة المعلومات واتساع دائرة الفكر الإنساني وصعود "اقتصاد المعرفة" تشكل الترجمة "لحظة عبور وسفر إبداعي بين لغتين وفكرين وهويتين" كما أن "الترجمة ليست مجرد عملية لغوية بسيطة وإنما هي عبور فكري شديد التعقيد من سياق حضارى لسياق حضاري آخر ومن لغة إلى أخرى".
 
ويرى الشاعر العراقى المقيم فى ألمانيا عبد الكريم كاظم أن الترجمة هى الوجه الثاني لفعل الكتابة "فكل مترجم يعرف من خلال تجربته ومعرفته ووعيه النقدي أنه لا يملك دائما وبشكل دقيق كل ما يكتبه وأنه يترجم كي يكشف الذى يجهله ونجهله".
 
ومن هنا ينطلق عمل الترجمة من معرفة لغوية وجمالية دقيقة وواضحة تماما كما أن للترجمة "متعتها ونشوتها ولها أيضا تعقيداتها اللغوية واللفظية والرمزية" ففعل الترجمة في كثير من الأحيان "إبداع مواز للإبداع" بقدر ما تمثل الترجمة بحق جسرا  للتواصل بين الثقافات وقاطرة طليعية للنهضة أو هكذا يجب أن تكون بعيدا عن الكوارث.

المصدر : وكالة الشرق الأوسط