أمجد ناصر
 
أثَّرت بي عميقا، رسالة إلياس خوري المنشورة في الجزيرة نت إلى الشباب الفلسطينيين الذين بنوا مخيم صمود وتحدّ على أرض قرب القدس، تعمل إسرائيل على تحويلها إلى مستوطنة جديدة في إطار مخططها المنهجي للاستيلاء على ما تبقّى من أرض الضفة الغربية، مستغلة الانشغال العربي بوقائع "الربيع" السلمية منها والدامية، وفي ظل انعدام وزن كامل للسلطة الفلسطينية صاحبة القضية المباشرة.

لرسالة خوري مناسبتها، وهي تسمية الشبان المقاومين مخيمهم هذا -الذي فضَّه الإسرائيليون بالقوة كما هو متوقع- باسم "باب الشمس"، العمل الروائي الشهير لإلياس خوري.

هذه الواقعة أعادت طرح الأسئلة التي لا تلبث أن تعود حول علاقة الحقيقة بالخيال والواقع بالإبداع، وبين عمارة الكلمات وبناء القرى وتجمعات البشر.. ثم إنها مناسبة بالنسبة لي أيضا لقول كلمة في طليعية منجز إلياس خوري في المشهد الروائي العربي.

لم تكن مجرد صدفة ولا لفتة لطيفة، أن يحوّل شبان فلسطينيون اسم رواية إلياس خوري وحُلمها إلى واقع ملموس. فقد دخلت رواية "باب الشمس" منذ صدورها -وقبل تحوّلها إلى فيلم سينمائي زادها انتشارا- في دائرة ما يمكنني تسميته تجاوزا "أدبيات النكبة" الفلسطينية، رغم أن أدبيات كهذه تقوم عادة على الوثائق والإحصاءات والتواريخ الشفوية والشهادات الخاصة بتلك الفترة السوداء التي خسر فيها هذا الشعب العربي أرضه لأسباب لا مجال لذكرها هنا.

دخول عمل روائي لكاتب غير فلسطيني في خانة الأدبيات التي يشهرها الفلسطيني في سجاله مع المحتل ويحتفظ بها لتحفيز ذاكرته وإنعاشها، أمرٌ غير مسبوق في هذا السياق

هذا يعني أن "أدبيات النكبة" تشمل كل ما يمكن أن يشكل حجة وسندا للفلسطينيين في سجالهم القانوني والأخلاقي والسياسي المتصل بما حصل لهم عام 1948على يد التحالف البريطاني الصهيوني، والشتات الذي انتهى إليه عدد كبير منهم بعيدا عن وطنهم التاريخي. كما تعمل هذه "الأدبيات" على إبقاء تلك اللحظة المفصلية حية في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، خصوصا لدى الأجيال الجديدة التي تفصل بينها وبين النكبة ستة عقود على الأقل.

دخول عمل روائي لكاتب غير فلسطيني في خانة الأدبيات التي يشهرها الفلسطيني في سجاله مع المحتل (ومن يساند روايته) ويحتفظ بها لتحفيز ذاكرته وإنعاشها، أمرٌ غير مسبوق -حسب علمي- في هذا السياق.

لم يكن إلياس خوري أول كاتب عربي يتناول القضية الفلسطينية في رواية أو ديوان شعر أو مسرحية، فهناك عدد كبير من الكتاب والشعراء الذين فعلوا ذلك، ولكن دون أن يرتقي أي عمل من أعمالهم -حسب رأيي- إلى المرتبة التي احتلتها رواية "باب الشمس" في خزانة "أدبيات النكبة"، ودون أن ينقص هذا التصنيف شيئا من طليعيتها الفنية.

وتنبع خصوصية الرواية من خصوصية علاقة كاتبها بالقضية الفلسطينية، إذ لم يكن خوري مجرد عربي معني بالقضية الفلسطينية، بل كان أحد المناضلين في أطرها التنظيمية (فتح) ولا يزال في قلب سؤالها السياسي والفكري والأخلاقي، ولكن هذا على أهميته لم يكن ليشكل فارقا كبيرا لولا موهبة إلياس خوري السردية الفذة.

لقد كتبتُ من قبل -وكتب غيري- أن رواية خوري المذكورة هي رواية النكبة الفلسطينية التي لم يكتبها -على ما جاءت عليه من تمازج مدهش بين الحقيقة والتخييل، الحكاية والواقعة، اللغة الشعرية والكلام اليومي- أحد قبل هذا الكاتب اللبناني الأصل، الفلسطيني القلب والبوصلة.

كان الفلسطينيون -والعرب كذلك- ينتظرون عملا يسدّ ثغرة في رواية النكبة الفلسطينية، سواء بأقلام كتاب فلسطينيين أم عرب، ولم يقيض لهم ذلك إلا مع صدور رواية "باب الشمس". كانت هناك أعمال فلسطينية تناولت جوانب من سيرة النكبة، غير أنها لم تكن بإحاطة وشمول "باب الشمس" ولا في مستواها الفني.

لم يكن خوري مجرد عربي معني بالقضية الفلسطينية، بل كان أحد المناضلين في أطرها التنظيمية (فتح) ولا يزال في قلب سؤالها السياسي والفكري والأخلاقي

غسان كنفاني الذي يحضر في رواية إلياس خوري المذكورة، له عمل في ما يمكن أن أسميه "أثر النكبة" وتوابعها الزلزالية هو "عائد إلى حيفا" وليس عملا في النكبة نفسها، تلك "التغريبة" الجماعية (رغم أن الوجهة كانت شرقا وشمالا) الدرامية لمئات الآلاف من الناس، رجالا ونساء وأطفالا، وجدوا أنفسهم يدفعون تحت فوهات المدافع خارج مدنهم وقراهم، بل  خارج حدود بلادهم، ومفاتيح بيوتهم تتدلى كتمائم مقدسة من أعناقهم.

ولإميل حبيبي أكثر من رواية تحوّل البقاء الفلسطيني -رغم الاقتلاع الصهيوني العنيف- إلى أسطورة. "باقون هنا"، كان هذا هو شعار إميل حبيبي شخصا وسردا، بينما تدور أعمال جبرا إبراهيم جبرا ورشاد أبو شاور ويحيى يخلف وليانة بدر في المنفى، أو في "مجتمع" الثورة الفلسطينية.. أي في الرد الفلسطيني على النكبة والنكسة معا.

وبالعودة إلى كنفاني باعتباره رائدا في السرد الروائي الفلسطيني، فقد كتب "رواية الحدود" وليس "رواية النكبة" والعودة الفدائية، على ما جاءت به رواية "باب الشمس".

مصطلح "رواية الحدود" ليس من نحتي، بل هو من وضع إلياس خوري نفسه حيث يصف خطاب روايات كنفاني بالقول إن "رواية الحدود الكنفانية" هي الوجه الآخر للاسم الفلسطيني الذي أعاد محمود درويش اكتشافه في ديوان "عاشق من فلسطين".

ولم يكن تقديم كنفاني لشعراء الأرض المحتلة مصادفة، فقد رأى فيهم امتداده إلى الأرض، وأنتج معهم تجربة المنفيين: منفى الداخل ومنفى الخارج.

إذا قرأنا "رجال في الشمس" "وما تبقّى لكم" بصفتهما روايتين عن الحدود، فإننا سنفهم أن الأبعاد الرمزية التي تحفل بهما الرواية: أجيال الفلسطينيين الثلاثة، دور السائق، خزان الصهريج، البحث عن الأم، زكريا الخائن الذي استولى على مريم... كانت خارج العلاقة بالأرض التي صارت إطار هويتها، ليس من أجل رواية الحكاية الفلسطينية، وإنما من أجل اكتشاف استحالة روايتها، من أجل أن يعيد سعيد س. إلى حيفا، ويقول إن ما تبقّى لنا هو حساب الخسارة.

أزالت الجرافات الإسرائيلية مشروع قرية باب الشمس، لكنها لن تستطيع أن تزيل مجازها الذي لا يني -مثل سيزيف- يصعد بصخرته إلى قمة الجبل.. إلى أن تستقر هناك مرةً وإلى الأبد

لإلياس خوري أكثر من عشر روايات تتناول كلها -باستثناء "باب الشمس"- حياة لبنانية سواء في الحرب الأهلية أو ما بعدها، وتدور أحداث هذه الروايات في لبنان -أو خارجه قليلا- بما في ذلك روايته الفلسطينية "باب الشمس" التي تنطلق أحداثها ويدور نول حكاياتها المتناسلة في مخيم فلسطيني ببيروت.

وبدءا من روايته "الجبل الصغير" (منطقة الأشرافية، بيروت الشرقية) سنكون أمام مفصل في تاريخ الرواية اللبنانية، ليس بوصفها أول رواية تتناول الحرب الأهلية، بل باعتبارها -بما يشبه الإجماع النقدي حولها- البداية الحديثة للرواية اللبنانية. فلم يكن لبنان عموما قبل "الجبل الصغير" بلد رواية، ولم يكن قبل إلياس خوري -في رأيي- روائيون لبنانيون بالمعنى الحديث للكلمة.

بهذا المعنى فقد دشَّنت "الجبل الصغير" -الرواية الثالثة لإلياس خوري- صفحة جديدة في تاريخ السرد الروائي في لبنان، ثم تتالت أعمال خوري الروائية على نحو متواصل وغزير، وصولا إلى روايته الملحمية الأخيرة "سينالكول" (دار الآداب، 2011) التي لم تجد فيها هيئة تحكيم جائزة "بوكر" العربية (برئاسة المفكر الاقتصادي المصري جلال أمين!) ما يؤهلها لدخول القائمة القصيرة، مفضّلة عليها -إضافة إلى ثلاث روايات مهمة أخرى- أعمالا تتدرب في الباحة الخلفية للكتابة السردية الروائية.

هذه وقفة سريعة مع إلياس خوري وبعض أعماله في ضوء تحوّل اسم روايته إلى مخيم أريدَ له أن يكون قرية من بشر وشجر وحجر، تكتب جانبا من سيرة صمود فلسطيني في وجه الجرافة التي لم تتوقف يوما، عن القضم والهدم.

أزالت الجرافات الإسرائيلية مشروع قرية "باب الشمس"، لكنها لن تستطيع أن تزيل مجازها الذي لا يني -مثل سيزيف- يصعد بصخرته إلى قمة الجبل.. إلى أن تستقر هناك مرةً وإلى الأبد.

المصدر : الجزيرة