سنان أنطون: من إيجابيات البوكر التشجيع على القراءة وتسليط الضوء على الإبداع الروائي (الجزيرة)
حاوره/ أحمد الشريقي
 
حظيت روايته الثالثة "يا مريم" ربما بشهرة أكثر من غيرها، وارتقت إلى قائمة بوكر القصيرة للرواية العربية، لكن قارئا لا يعوزه قليل من الذائقة لمجمل أعماله يدرك أن الروائي والشاعر العراقي الشاب سنان أنطون لديه من الأدوات الإبداعية ما يؤهله لأن يحفر اسمه وبفترة قياسية ضمن قائمة مشاهير الرواية العربية.

في "يا مريم" قال سنان أنطون ما لم يقله مفكرون ومنظرون عن موضوع التسامح الذي يضرب جذورا عميقة في بلاد الرافدين دون ثرثرة زائدة وبأدوات الإبداع الذي يمسك بزمامه جيدا، وقارب الذاكرة واستدعاها دون إغماضة عين عن الراهن.

وأنطون شاعر وروائي ومترجم ولد في بغداد عام 1967. أصدر روايتي "إعجام" و"وحدها شجرة الرمان" وديوان شعر بعنوان "ليل واحد في كل المدن" والعديد من المقالات بالعربية والإنجليزية. ترجمت كتاباته إلى الإنجليزية والألمانية والإيطالية والنرويجية والبرتغالية، ويعمل أستاذا للأدب العربي في جامعة نيويورك منذ عام 2005.

الجزيرة نت حاورت الكاتب العراقي عقب تأهله لقائمة بوكر القصيرة للرواية العربية في إطلالة على مسيرته الإبداعية.

 في روايتك الثالثة تختار موضوعا شائكا ومؤلما. إذا كانت ثمة كاميرا لديك ترصد مشاعر كتابتها، فأي صورة تبدو لك الآن وأنت تنجز مغامرتك الإبداعية "يا مريم"؟

الجوائز ليست المقياس الأمثل للجودة الأدبية، ومن حق القراء والكتاب أن يتساءلوا عن المعايير التي تحكم اختياراتها

- كتابة كل رواية سَفَر طويل، ترافق فيه شخصيات متخيلة تتقمصها وتحبها، وتصبح أكثر حقيقية من العالم الذي حولك. تتألّم معها وتبكي وتضحك وتستمع إليها وهي تحكي عن أوجاعها.

طبعا هناك الخوف الذي لا مفر منه، وهو أن الكاتب لن يعطي الحكاية حقها لأن هناك صورة مثالية للحكاية في خياله يحاول الاقتراب منها، وهناك أيضا مشاعر متناقضة، فمن جهة أنت تريد أن تصل الحكاية إلى نهايتها لتفرح وتضع حداً لعذاب الكتابة وتعبها، لكنني أشعر بحزن وفراغ عميق أيضا كلما أكملت رواية.

وهكذا كان الأمر مع "يا مريم" ليس لأنني فارقت شخصياتها فحسب، بل لأن إحدى الشخصيات الرئيسية، والتي رافقتها لثلاث سنين، تموت في النهاية، فيختلط فرح الإنجاز بحزن الفراق. وتسكنني شخصياتي.

 في مصادفة -ربما - كانت الروايتان المتأهلتان من العراق تعاينان ألمه والمشاكل التي تستشري فيه. بوصفك واحدا من امتدادات -إذا صح- الجيل الروائي العراقي الذي يمثله غائب طعمة فرمان وغيره، أسألك: أية عتبات جديدة سترتادها الرواية العراقية؟

- ما مر به العراق وأهله في العقود الأخيرة من خراب حالة استثنائية في عالمنا الأوسع الذي "يطفو على الجثث" كما يقول محمود درويش. وكل من يريد أن يكتب عن العراق والعراقيين لا بد أن يواجه ويتعامل -بدرجات متفاوتة وحسب المقاربة والأسلوب- مع الواقع والتاريخ.

لكن هذا لا يعني أبدا أن هذا العبء التاريخي والهاجس الذي يسكن الكثيرين سيحد من آفاق الرواية العراقية ومساراتها، ومصطلح "الرواية العراقية" واسع وقد يكون إشكاليا. مع ذلك، سأقول إن المواضيع سيحددها الروائيون والروائيات وخيالهم وخياراتهم الجمالية.

كل من يريد أن يكتب عن العراق والعراقيين لا بد أن يواجه ويتعامل، بدرجات متفاوتة وبحسب المقاربة والأسلوب، مع الواقع والتاريخ

لكن الرواية العراقية، التي لم يعطها النقد العربي حقها وهمّشها وما زال لأسباب لا مجال لها هنا، والتي تعاني من كونها تنتج في العراق ضمن بنية ثقافية مدمرة، قادمة وبزخم إلى المشهد العربي. هناك مواهب هائلة وخزين ثقافي وتجارب فريدة، والمستقبل لها.

 ثمة جدل قديم عن أدب الداخل والخارج. هل أنت مع التصنيف ابتداء وأية تقاطعات أو افتراقات بين الأدبين؟

- لست مع هذا التصنيف أبدا لأنه يجيّر في معظم الوقت لصالح صراعات سياسيّة وأجندات أيديولوجية، وقلّما تكون له ثمار على صعيد تلقي القارئ أو في حقل النقد والقراءة. ثنائية الداخل والخارج، مثل معظم الحدود والتصنيفات خدّاعة.

ولا يعني هذا إطلاقاً أنني لا أدرك الفروق الواضحة، من حيث الحرية الشخصية وتوفر ما يجعل الحياة والكتابة سهلين لمن هم في الخارج. ومن يعيش في العراق يمر بما يمر به زملائي وأصدقائي هناك من مصاعب في جحيم الحياة اليومية.

الجحيم الذي يعيش فيه كل مواطن يجعل إبداعهم مضاعفا لأنهم يبدعون بالصمود في وجه قسوة استثنائية ويصرّون على الكتابة من داخل الجحيم. تبقى الحاجة إلى دراسات نقدية جادة للأدب العراقي أولاً للتعرف على طبوغرافيته، ومن ثم يمكن التعمّق في تأثير السياق الحياتي والسياسي على ما يكتب. معظم ما يقال عن جدلية الداخل والخارج يسقط في التعميمات والإسقاطات التي لا تتكئ على أسس معرفية.

 تجمع بين السرد الشعر والنقد والعمل الأكاديمي، كيف يمكنك التوفيق بين هذه "الضرائر"؟

الرواية العراقية، التي لم يعطها النقد العربي حقها، قادمة وبزخم إلى المشهد العربي. هناك مواهب هائلة وخزين ثقافي وتجارب فريدة، والمستقبل لها

- العمل الأكاديمي منهك، والوضع المثالي طبعا هو التفرغ التام، ولكن التدريس والبحث يغنياني معرفياً، وما أقرؤه وأدرّسه لطلابي يضاف إلى أرشيفي الثقافي وتكون له ثماره في الحقل الإبداعي فيما بعد.

ليس من السهل العثور على وقت للكتابة أثناء الفصل الدراسي، فأستغل الإجازات بين الفصول وفي الصيف. قد أكون مع شخصية من شخصيات رواية فتزورني قصيدة لم تكتمل، وتعاتبني بصمت. عدت إلى الشعر بعد "يا مريم". أتخيل أحياناً أنني عازف موسيقي يعزف على هذه الآلة تارة، ثم يمسك بالأخرى.

 إلى أي حد تساهم جائزة بوكر في دفع حركة الإبداع العربي؟


- لا شك أن من إيجابياتها التشجيع على القراءة وتسليط الضوء سنويا على مجموعة من الروايات. لكن الجوائز ليست المقياس الأمثل للجودة الأدبية. من حق القراء والكتاب أن يتساءلوا عن المعايير التي تحكم اختياراتها.

فمثلا، روايتي الثانية "وحدها شجرة الرمان" حازت على إعجاب وإطراء الكثير من النقاد بعد صدورها عام ٢٠١٠، وستنشر بالإنجليزية عن سلسلة الأدب العالمي التابعة لدار نشر جامعة يال منتصف هذه السنة، وبالفرنسية نهاية العام عن دار آكت سود. لكنها لم تصل إلى القائمة الطويلة في سنتها! أنا سعيد بلا شك. لكن هناك روايات كثيرة رائعة لا تصل إلى القوائم ولا تفوز بالجوائز.

المصدر : الجزيرة